مشاهدة النسخة كاملة : من علوم القرأن: الناسخ والمنسوخ (مختصراً)
الصاحي
19-04-2005, 01:41 PM
نواسخ القرآن
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة التحقيق
الحمد لله الذي أنـزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا، والصلاة والسلام على رسوله المبين للناس ما نـزل إليهم، وعلى آله وصحبه الذين اتخذوا سبيله شرعة ومنهاجا.
أما بعد:
فإن القرآن الكريم هو أعظم رسالة سماوية وأعلاها مكانة، وأجلّها معجزة، وأكملها نظاما ومنهجا، وقد تولى الله سبحانه وتعالى حفظه بقوله: {إِنَّا نَحْنُ نـزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} وكان هذا الوعد الإلهي مزية للقرآن الكريم من بين الكتب السماوية، حيث بدلت تلك وحرفت، والقرآن ما زال ولم يزل أهله يحفظونه في صدورهم ومصاحفهم، ويتلونه آناء الليل وأطراف النهار وينفذونه جيلا بعد جيل، في حياتهم الفردية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، بل وفي جميع جوانب الحياة البشرية، ويتفرغ عبر القرون ثلة من خيارهم لدراسته وتفسيره واستنباط أحكامه، ومعرفة ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه، والاعتبار بدعوته وقصصه، ووعظه وإرشاداته، بل ولأجل هذا الكلام المعجز يتوسعون في العلوم والفنون الأخرى كي يتمتعوا ببلاغته وفصاحته، وإعجازه، ولكي يظهروا الفرق الشاسع بين كلام الخالق والخلق، فما من سورة من سوره ولا آية من آياته ولا كلمة من كلماته إلا ويدور حولها بحث بألسنة الباحثين والمؤلفين وأقلامهم.
وقد شرف الله بهذا الكلام المعجز للعالم محمدا خاتم النبيين، وجعله مبينا لما أجمل فيه وشارحا ما يحتاج إلى الشرح بقوله: {وَأَنـزلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نـزلَ إِلَيْهِمْ} وجعل عبء مسئوليته وثقل رسالته من بعده على عاتق أمته وكاهل علمائها، وهم الوارثون رسالته حيث يقول: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي}
فكان كل فرد من مخلصي هذه الأمة وعلمائها يتنافس مع غيره في أخذ نصيبه من الميراث، ويسابق الآخرين للاشتراك في أداء الرسالة، وكان العلامة المحقق والفهامة المدقق فريد عصره ووحيد دهره جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي القرشي، رحمه الله رحمة واسعة، واحدا منهم، فقد جاهد في سبيل الله بلسانه وقلمه وألّف في شتى الفنون حوالي (380) كتابا حسب ما وصل إليه العلم، ومعظم مؤلفاته كانت مهملة تأكلها الأرضة والتراب. وكان من بينها كتاب لطيف فريد في نوعه "نواسخ القرآن" وها هو اليوم بعون الله وتوفيقه يظهر من عالم المخطوطات ليكون في متناول الدارسين والباحثين، وذلك لأول مرة بعد غيابه حوالي ثمانية قرون عرضة للعث والأرضة، فلله الحمد والمنة.
الصاحي
19-04-2005, 01:43 PM
أهمية هذا الموضوع:
إن موضوع هذا الكتاب الذي بين يديك، وهو نواسخ القرآن، أو الناسخ والمنسوخ في القرآن من أهم الموضوعات وأجلّها قدرا في شريعتنا الغراء، لأن مدار هذا الدين كتاب الله سبحانه وتعالى، فما ثبت فيه محكما غير منسوخ نفذناه، وعملنا به، وما كان منسوخا منه لم نعمل به ومعرفة ذلك مهمة كبيرة ومسئولية عظيمة، وهي في نفس الوقت شاقة جدا لا يستطيع الإنسان الحكم فيها بعقله وتفكيره مهما كان ولا يمكن ذلك إلا بنقل صحيح ثابت عن صاحب الرسالة صلوات الله وسلامه عليه، ولا مجال للعقل أو الاجتهاد فيها، كما لا يجوز للإنسان أن يتصرف في مثل هذا الموضوع الحساس، بآرائه البحتة غير مستند إلى كتاب الله أو سنة رسوله، صلى الله عليه وسلم، أو أقوال الصحابة المحكية عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بسند صحيح ثابت خال من الجرح والعلة.
لذا كان السلف الصالح يرى معرفة الناسخ والمنسوخ شرطا في أهلية المفسر للتفسير والمحدث للحديث، وقد كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، رضي الله عنهم، لا يرضون لأحد أن يتحدث في الدين إلا إذا كان عارفا وعالما بالناسخ والمنسوخ من القرآن وقد جاء في الأثر عن ابن عباس، رضي الله عنهما، بأنه كان يفسر قوله تعالى {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} بأن الحكمة معرفة ناسخ القرآن ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومقدمه ومؤخره وحلاله وحرامه وأمثاله .
يقول يحيى بن أكثم التميمي، رحمه الله، وهو أحد عظماء السلف المتوفى سنة 242هـ: (ليس من العلوم كلها علم هو أوجب على العلماء وعلى المتعلمين، وعلى كافة المسلمين من علم ناسخ القرآن ومنسوخه، لأن الأخذ بناسخه واجب فرضا والعمل به واجب لازم ديانة، والمنسوخ لا يعمل به ولا ينتهي إليه، فالواجب على كل عالم، علم ذلك لئلا يوجب على نفسه وعلى عباد الله أمرا لم يوجبه الله، أو يضع عنهم فرضا أوجبه الله) .
ويقول الإمام ابن حزم الظاهري المتوفى سنة 456هـ: (لا يحل لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول في شيء من القرآن والسنة: هذا منسوخ إلا بيقين، لأن الله عز وجل، يقول: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} وقال تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنـزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} فكل ما أنـزل الله في القرآن، وعلى لسان نبيه فرض اتباعه. فمن قال في شيء من ذلك إنه منسوخ، فقد أوجب أن لا يطاع ذلك الأمر وأسقط لزوم اتباعه، وهذه معصية لله تعالى مجردة، وخلاف مكشوف إلى أن يقوم برهان على صحة قوله، وإلا فهو مفتر مبطل...) .
ويقول ابن الحصار علي بن محمد الأنصاري المتوفى سنة (611هـ) (إنما يرجع في النسخ إلى نقل صريح عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أو عن صحابي يقول آية كذا نسخت كذا.
قال: وقد يحكم به عند وجود التعارض المقطوع به مع علم التاريخ ليعرف المتقدم والمتأخر، قال: ولا يعتمد في النسخ قول عوام المفسرين، بل ولا اجتهاد المجتهدين، من غير نقل صحيح ولا معارضة بينة، لأن النسخ يتضمن رفع حكم، وإثبات حكم تقرر في عهده، صلى الله عليه وسلم، والمعتمد فيه النقل والتاريخ، دون الرأي والاجتهاد، قال: والناس في هذا بين طرفي نقيض فمن قائل: لا يقبل في النسخ أخبار الآحاد العدول. ومن متساهل: يكتفي فيه بقول مفسر أو مجتهد والصواب خلاف قولهما) .
ولعلنا بهذا نكون قد اطلعنا على صورة صادقة عن خطورة هذا الموضوع وعلى مدى اهتمام العلماء به سلفا وخلفا.
ويأتي من بعدهم عالم معاصر وهو الشيخ عبد العظيم الزرقاني فيلخص ما ذكره العلماء في أهمية هذا الموضوع في كتابه مناهل العرفان، فيقول:
أولا- هذا الموضوع كثير التعاريج متشعب المسالك طويل الذيل.
ثانيا- هو مثار خلاف شديد بين العلماء الأصوليين القدامى والمحدثين.
ثالثا- أن أعداء الإسلام كالملاحدة والمستشرقين والمنصرين قد اتخذوا من النسخ أسلحة مسمومة طعنوا بها في صدر الدين الحنيف، ونالوا من قدسية القرآن واجتهدوا في إقامة الحجج البراقة ونشروا شبهاتهم ونالوا من مطاعنهم حتى سحروا عقول بعض المنتسبين إلى العلم من المسلمين فجحدوا وقوع النسخ.
رابعا- أن إثبات النسخ يكشف النقاب عن سير التشريع الإسلامي، ويطلع الإنسان على حكمة الله تعالى في تربية الخلق وسياسته للبشر وابتلائه للناس بتجديد الأحكام مما يدل بوضوح على أن محمدا، صلى الله عليه وسلم، النبي الأمي لا يمكن أن يكون مصدرا لمثل هذا القرآن، إنما هو تنـزيل من حكيم حميد.
خامسا- بمعرفة ذلك يهتدي الإنسان إلى صحيح الأحكام وينجو عن نسخ ما ليس بمنسوخ حين لا يجد التعارض بين الآيتين، لذا اعتنى السلف بهذه الناحية يحذقونها ويلفتون أنظار الناس إليها ويحملونهم عليها، انتهى بتصرف
الصاحي
19-04-2005, 01:48 PM
المؤلفون في هذا العلم قديما وحديثا:
سبق أن قلنا، أن علماءنا الأجلاء قد أعطوا اهتماما بارزا لموضوع النسخ، ويظهر ذلك من خلال مؤلفاتهم حيث لا نكاد نرى معظم مفسري القرآن إلا وقد اهتموا بموضوع النسخ وألفوا فيه.
يقول الزركشي في البرهان عن علم النسخ: والعلم به عظيم الشأن وقد صنف فيه جماعة كثيرون منهم قتادة بن دعامة السدوسي، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وأبو داود السجستاني وأبو جعفر النحاس، وهبة الله بن سلامة الضرير وابن العربي، وابن الجوزي وابن الأنباري، ومكي وغيرهم .
ويورد الداودي في طبقات المفسرين أسماء أربعة وثلاثين كتابا ألف في علم النسخ بيد أن معظم تلك الكتب مفقودة اليوم أو لم تظهر بعد من عالم المخطوطات. وأما المطبوعة منها فقليلة تعد بالأصابع.
وقبل أن نتعرف عليها وعلى مؤلفيها علينا أن نقدر اشتراك الإمام الشافعي في هذا العلم حيث يعتبر هو (من أول من تكلم في موضوع النسخ، وهو وإن لم يؤلف كتابا مستقلا في الموضوع لكنه ناقش نسخ القرآن ضمن رسالته على منهج علمي وأثبت وقوعه وبين مدلوله مستدلا من الكتاب والسنة)
وهناك بعض العلماء عالجوا وقائع النسخ بلا إفراط ولا تفريط، وذلك ضمن كتبهم المؤلفة في علوم القرآن.
منهم: عالم القرن العاشر الإمام جلال الدين السيوطي، رحمه الله، حيث اختصر الآيات المدعى عليها النسخ في كتابه الإتقان في علوم القرآن إلى ما يقارب عشرين آية، وأنشد:
قـد أكـثر الناس في المنسوخ من عدد
وأدخـلوا فيــه آيــا ليس تنحـصر
وهــاك تحــرير آي لا مزيـد لهـا
عشــرين حـررهـا الحـذاق والكـبر
فذكر تلك الآيات مع خلاف في بعضها .
ومنهم الشيخ أحمد شاه ولي الله الدهلوي شيخ الحديث في الهند في زمانه، وصاحب كتاب حجة الله البالغة، المتوفى سنة 1179هـ فقد ألف كتابا في علوم القرآن باسم "الفوز الكبير" وأنكر فيه على كل من يسرف بالقول في النسخ، ثم اختصر وقائع النسخ في القرآن في خمس آيات فقط مبينا الأدلة ووجهة نظره فيها، بعد أن أورد الآيات التي ذكرها السيوطي في الإتقان ضمن المنسوخة، ونقض منها ما يرى فيه النقض .
ومنهم محمد عبد العظيم الزرقاني، صاحب كتاب مناهل العرفان حيث أورد في كتابه بعض وقائع النسخ التي اشتهرت أنها منسوخة، وهي حوالي اثنتين وعشرين واقعة، وقام بالترجيح منها حوالي تسع آيات فقط .
تلك هي الكتب المطبوعة المعروفة لدينا حتى اليوم في علم النسخ في القرآن، وهناك رسائل أخرى صدرت حديثا تناقش موضوع النسخ ولا داعي لذكرها هنا؛ لأنها -كما يبدو حسب اطلاعي- لم تأت بشيء جديد في الموضوع إنما هي إعادة لما كتب وذكر مسبقا، والله أعلم.
الصاحي
19-04-2005, 01:53 PM
الكتب المطبوعة:
1- معرفة الناسخ والمنسوخ، للإمام محمد بن حزم (ليس هو ابن حزم الظاهري المعروف) إنما هو شخص آخر توفي قبله بمائة وست وثلاثين سنة وهو أنصاري أندلسي محدث، لكنه مع جلالة قدره لدى المحدثين فقد وجدناه في كتابه يسرف في القول بالنسخ من غير أن يستند إلى أي دليل نقلي أو عقلي، وقد بلغ عدد الآيات المنسوخة عنده، بآية السيف فقط مائة وأربع عشرة آية في ثمان وأربعين سورة وكتابه هذا مطبوع بمصر على هامش تفسير "تنوير المقباس" المنسوب إلى ابن عباس سنة (1380هـ) كما طبع أيضا بمصر على هامش "تفسير الجلالين"، ولم يؤرخ.
2- كتاب الناسخ والمنسوخ، للإمام أبي جعفر أحمد بن إسماعيل النحاس المرادي النحوي المتوفى سنة (338هـ) هذا الكتاب يعتبر من أفضل ما وصل إلينا من الكتب المتقدمة في علم النسخ. وقد أجاد مؤلفه، رحمه الله، في عرض الآيات الناسخة والمنسوخة حيث أثبت ما ادعى فيه النسخ وعكسه بذكر الأسانيد غالبا، ويقوم بترجيح دعوى النسخ أو الإحكام حينا، وهو كثير ويقف موقف المحايد حينا آخر. وذلك إذا وجد ما يرجح إحدى الطرفين أو يؤيد كليهما. ويورد ابن الجوزي في هذا الكتاب نقولا كثيرة من كلام النحاس يعضد بها رأيه ويؤكد بها إحكام الآية، طبع هذا الكتاب بمصر سنة 1323هـ.
3- الناسخ والمنسوخ، للإمام هبة الله بن سلامة الضرير المتوفى (410هـ) وهو مع شهرته لدى المفسرين ومكانته في أوساط العلماء، نراه يسلك مسلك ابن حزم في معالجة قضايا النسخ حيث أورد في كتابه مائة وأربع عشرة آية منسوخة بآية السيف، كما ذكر من الآيات التي ادعى فيها النسخ مائتين وأربعا وثلاثين آية في خمس وستين سورة ولم يورد الأدلة والآثار إلا نادرا، ولو أورد لا يذكر لها إسنادا ولكنه ذكر في آخر كتابه أهم مصادره، بأسانيدها ومعظم تلك الأسانيد لا يخلو من المطاعن، وهو كتاب مطبوع بمصر سنة (1387هـ).
4- الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه، للإمام أبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي، رحمه الله، المتوفى سنة (437هـ) وكتابه المذكور جليل القدر لا ينقص في الفضل عن كتاب النحاس، إلا أنه مع قيامه بمعالجة وقائع النسخ معالجة جدية، لا يتعرض إلى ذكر الأسانيد بل يكتفي بعزو الآراء إلى القائلين بها، ويرجح حينا ما يرتضيه من الآراء مؤيدا وجهة نظره. وقد حقق هذا الكتاب فضيلة الدكتور أحمد حسن فرحات، وطبع بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سنة 1396هـ.
5- الموجز في الناسخ والمنسوخ، للحافظ المظفر بن الحسين بن زيد بن علي بن خزيمة الفارسي، رحمه الله، هذا الكتاب مطبوع في آخر كتاب النحاس سنة 1323هـ بمصر.
ولا نرى، فيه إلا سردا للآيات الناسخة وعدا للآيات المنسوخة بغض النظر عن الأدلة. فهو إذًا كنسخة أخرى لكتابي ابن حزم وابن سلامة لا يغني من جوع، مع أن مؤلفه مجهول لم أجد له ترجمة إلا في غلاف الكتاب، ويقول في آخر كتابه: "أنه استخرج هذا الكتاب من خمسة وسبعين كتابا من كتب الأئمة المقرئين، رحمة الله عليهم، المنقول عنهم بالأسانيد الصحيحة) .
6- الناسخ والمنسوخ، للإمام أبي عبد الله محمد بن عبد الله الإسفرائيني العامري الشفعوي، رحمه الله، طبع هذا الكتاب في الأستانة، سنة (1290هـ) وألحق مع لباب النقول للسيوطي، ومؤلفه لم أعثر على ترجمته بعد فيما راجعت من كتب التراجم ويوجد اسمه المذكور على غلاف الكتاب، وهو أيضا يورد أقوال النسخ عن العلماء بدون إسناد ربما يذكر آثارا ولم يسند .
هذه الكتب المتقدمة هي التي عثرت عليها مطبوعة حتى اليوم في علم النسخ في القرآن الكريم، وقد صدرت في الآونة الأخيرة عدة كتب في الموضوع، منها:
- النسخ في القرآن الكريم: للدكتور مصطفى زيد، رحمه الله، الأستاذ بقسم التفسير بالدراسات العليا بالجامعة الإسلامية سابقا، وهو كتاب جدير بالذكر والاهتمام، وقد تصدى فيه المؤلف لعرض الآيات المدعى عليها النسخ، وناقشها مناقشة جدية مفيدة مع ذكر الأدلة بالأسانيد، وقام برد وقائع النسخ التي لم تثبت عن النبي، صلى الله عليه وسلم، ولم تنقل عن الصحابة بسند صحيح، وأبدى أثر كل آية وجهة نطره في دعوى النسخ حتى وصل إلى نهاية المطاف فعين بابا خاصا في وقائع النسخ في القرآن الثابتة بالأدلة الصحيحة وحصرها في ست آيات فقط ومنها:
- كتاب فتح المنان في نسخ القرآن، للشيخ علي حسن العريض مفتش الوعظ في الأزهر، وهو وإن لم يعالج الموضوع بشكل واسع وشامل إلا أنه عرض موضوع النسخ عرضا تاريخيا نقديا ثم أورد في نهاية البحث بعض الآيات المدعى عليها النسخ فنقض معظمها بما يدعم رأيه مشيرا بذلك إلى أن معظم ما ادعى فيه النسخ في القرآن دعوى بلا دليل .
ومنها كتاب "نظرية النسخ في الشرائع السماوية" لفضيلة الدكتور شعبان محمد إسماعيل المدرس بجامعة الأزهر .
وقد عالج موضوع النسخ في كتابه كنظرية فقط، ولم يتعرض لمناقشة قضايا النسخ في آية أو حديث من حيث الوقوع أو عدمه بل اكتفى بعرض أقسام سور القرآن باعتبار وجود النسخ فيها ثم نقل عن الإمام السيوطي الآيات التي يراها منسوخة في الإتقان. وجاء في نهاية المطاف فعقد بابا تحت عنوان "الآيات التي نسختها آية السيف" فأورد فيه خمسين آية ادعى فيها النسخ ابن خزيمة الفارسي في كتابه الموجز في الناسخ والمنسوخ، السالف ذكره ولم يقم الدكتور شعبان بالمناقشة أو الاعتراض عليها بل تركها كقضية مسلمة لديه .
ومنها: كتاب النسخ بين الإثبات والنفي، للدكتور محمد محمود فرغلي، وهو يقع في مبحثين في مجلد واحد، يعالح فيه قضية النسخ من حيث الخلاف الحاصل بين المثبتين للنسخ والنافين له ذاكرا ما يثبت رأي كل مرجحا ما يرجحه الدليل، بيد أنه لا يناقش وقائع النسخ من حيث وقوعه في آية ما أو عدم وقوعه .
ومنها: "النسخ في الشريعة الإسلامية كما أفهمه" للشيخ عبد المتعال الجبري، وقد تصدى فيه مؤلفه -هداه الله- إلى إنكار جميع وقائع النسخ في الإسلام، وهو رسالة صغيرة الحجم، ومن أبرز عناوينه:
1- لا منسوخ في القرآن، ولا نسخ في السنة المنـزلة.
2- أبدع تشريع قيل أنه منسوخ.
يناقش فيه بعض وقائع النسخ فينقض، وينكر وقوعه في القرآن زاعما: أن فيه نسبة للجهل أو التجهيل لله سبحانه وتعالى وهو منـزه عن ذلك كأنه في ذلك أراد أن يتبع مسلك أبي مسلم الأصفهاني -إن صح عنه ذلك- حيث قيل: إنه كان يرى جواز النسخ عقلا وينكر وقوعه سمعا، وقد أورد جماعة خلاف أبي مسلم بأنه كان خلافا لفظيا فقط، فقال ابن دقيق العيد: نقل عن بعض المسلمين إنكار النسخ، لا بمعنى أن الحكم الثابت لا يرتفع، بل بمعنى أنه ينتهي بنص دل على انتهائه، فلا يكون نسخا .
وقد قام برد كل ما اقترحه الجبري في كتابه لإنكار النسخ، صاحب كتاب: "النسخ بين الإثبات والنفي" في خلال اثنتي عشرة صفحة وأجاد في ذلك فليرجع إليه من شاء .
الصاحي
19-04-2005, 01:58 PM
تطور تعريف النسخ
في العصر الأول كان مفهوم النسخ واسعا حيث كان الصحابة، رضوان الله عليهم، والتابعون من بعدهم يرون أن النسخ هو مطلق التغير الذي يطرأ على بعض الأحكام سواء كان ذلك بالاستثناء أو التخصيص، أو التقيد أو التفصيل أو برفع الحكم السابق بحكم شرعي متأخر؛ لأن جميع ذلك مشترك في معنى واحد، وهو مطلق التغيير. ولكن بمرور الزمن، وصل العلماء إلى وضع المصطلحات المختلفة المتميزة بمدلولاتها. فحدد تعريف النسخ، فصار النسخ الاصطلاحي ؛ وهو: ( رفع حكم شرعي بحكم شرعي متأخر ).
هذا، وقد قمنا بعمل المقارنة بين المراجع المختلفة المعتبرة في علم النسخ في القرآن، لنرى وقائع النسخ حسب تطبيقهم على ضوء المعنى المصطلح المتعارف لديهم، وأثبتنا ذلك في الجدول التالي... وقد روعي في هذا الجدول:
1- أن يكون متضمنا لآراء الكتب المعتبرة في علم النسخ في القرآن بحيث تثبت وقوع النسخ أو عدم وقوعه مستمدة من الأدلة النقلية أو العقلية.
2- أن يكون مرتبا ترتيبا زمنيا لتأليف الكتاب.
3- أن يكون متضمنا للآيات الناسخة والمنسوخة.
الصاحي
19-04-2005, 02:15 PM
الآية المنسوخة:
يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا (المزمل /1-3)
الآية الناسخة:
إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل (المزمل /20)
متفق على النسخ
الآية المنسوخة:
إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة (المجادلة /12)
الآية الناسخة:
أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقة (المجادلة /13)
متفق على النسخ
وما عدا ذلك فالآيات الناسخة والمنسوخة موضع اختلاف بين العلماء كما نتابع فيما يلي:
الآية المنسوخة:
فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره (البقرة / 109)
الآية الناسخة:
فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم (التوبة /5)
القائلون بالنسخ:
النحاس
القائلون بعدم النسخ:
مكي بن أبي طالب - ابن الجوزي - السيوطي - الدهلوي - الزرقاني - مصطفى زيد
الآية المنسوخة:
فأينما تولوا فثم وجه الله (البقرة / 115)
الآية الناسخة:
فول وجهك شطر المسجد الحرام (البقرة / 144)
القائلون بالنسخ:
مكي بن أبي طالب - السيوطي
القائلون بعدم النسخ:
النحاس - الجوزي - الدهلوي - الزرقاني - مصطفى زيد
الآية المنسوخة:
وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله (البقرة /284 )
الآية الناسخة:
لا يكلف الله نفسا إلا وسعها (البقرة /286)
القائلون بالنسخ:
السيوطي - الزرقاني
القائلون بعدم النسخ:
النحاس - مكي بن أبي طالب - ابن الجوزي - الدهلوي - مصطفى زيد
الآية المنسوخة:
اتقوا الله حق تقاته (آل عمران /102 )
الآية الناسخة:
فاتقوا الله ماستطعتم (التغابن /16 )
القائلون بالنسخ:
السيوطي - الزرقاني
القائلون بعدم النسخ:
النحاس - مكي بن أبي طالب - ابن الجوزي - الدهلوي - مصطفى زيد
الآية المنسوخة:
يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى (النساء /43 )
الآية الناسخة:
إنما الخمر والميسر والأنصاب (المائدة /90 )
القائلون بالنسخ:
النحاس - مكي بن أبي طالب - ابن الجوزي - مصطفى زيد
القائلون بعدم النسخ:
السيوطي - الدهلوي - الزرقاني
الآية المنسوخة:
إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين (الأنفال /65)
الآية الناسخة:
الآن خفف الله عنكم (الأنفال /66)
القائلون بالنسخ:
السيوطي - الدهلوي - الزرقاني - مصطفى زيد
القائلون بعدم النسخ:
النحاس - مكي بن أبي طالب - ابن الجوزي
الصاحي
19-04-2005, 02:20 PM
ذكر بعض الآيات اللواتي ادعي عليهن النسخ
قوله تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} اختلف المفسرون في المراد بهذه النفقة على أربعة أقوال:
أحدها: أنها النفقة على الأهل والعيال، قاله ابن مسعود وحذيفة .
والثاني: الزكاة المفروضة، قاله ابن عباس، وقتادة .
والثالث: الصدقات النوافل، قاله مجاهد والضحاك .
والرابع: أن الإشارة بها إلى نفقة كانت واجبة قبل الزكاة.
ذكره بعض ناقلي التفسير، وزعموا: أنه كان فرض على الانسان أن يمسك مما في يده قدر كفايته "يومه" وليلته ويفرق باقيه على "الفقراء" ثم نسخ ذلك بآية الزكاة وهذا قول ليس "بصحيح" لأن لفظ الآية لا يتضمن ما ذكروا وإنما يتضمن مدح المنفق، والظاهر، أنها تشير إلى الزكاة لأنها قرنت مع الإيمان بالصلاة.
وعلى هذا، لا وجه للنسخ "وإن كانت" تشير إلى الصدقات النوافل والحث عليها باق، والذي أرى، ما بها مدح لهم على جميع نفقاتهم في الواجب والنفل وقد قال أبو جعفر يزيد بن القعقاع نسخت آية الزكاة كل صدقة "كانت" قبلها ونسخ صوم رمضان كل صوم كان قبله والمراد بهذا كل صدقة "وجبت" بوجود المال مرسلا
الصاحي
19-04-2005, 02:25 PM
قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} الآية قد ذكر عن بعض المفسرين أنه قال: معنى الآية فلا جناح عليه أن [ لا ] يطوف بهما. قال: ثم نسخ ذلك [ بقوله ] تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} والسعي بينهما من ملة إبراهيم .
قلت: وهذا قول مرذول: لا يصلح الالتفات إليه، لأنه [ يوجب إضمارا ] في الآية ولا يحتاج إليه كان قد قرئ به فإنه مروي عن ابن مسعود، وأبي بن كعب، وأنس، وابن جبير، وابن سيرين، وميمون بن مهران أنهم قرأوا (فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما) ولهذه القراءة وجهان:
أحدهما: أن تكون دالة على أن السعي بينهما لا يجب .
والثاني: أن يكون "لا" صلة. كقوله: ما "منعك" أن لا تسجد فيكون معناه معنى القراءة المشهورة، وقد ذهب مالك والشافعي وأحمد إلى أن السعي من أركان الحج وقال أبو حنيفة وأصحابه: هو واجب "يجزي" عنه الدم والصحيح في سبب نـزول هذه الآية، ما أخبرنا به أبو بكر بن حبيب، قال: أبنا علي الفضل، قال: أبنا محمد بن عبد الصمد، قال: أبنا ابن حموية، قال: أبنا: إبراهيم ابن خريم، قال: بنا عبد الحميد، قال: أبنا عبد الوهاب بن عطاء بن داود، عن عامر، قال: كان على الصفا [ وثن ] يدعى "أساف" ووثن على المروة يدعى نائلة، وكان أهل الجاهلية "يسعون" بينهما ويمسحون الوثنين فلما جاء الإسلام أمسك المسلمون عن السعي بينهما فنـزلت هذه الآية قلت: فقد بان بهذا أن المسلمين إنما امتنعوا عن الطواف لأجل "الصنمين" فرفع الله عز وجل الجناح عمن طاف بينهما، لأنه إنما يقصد تعظيم الله تعالى بطوافه [ دون ] الأصنام
الصاحي
19-04-2005, 02:29 PM
قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} .
أخبرنا ابن ناصر، قال: أبنا ابن أيوب، قال: أبنا ابن شاذان، قال: أبنا أبو بكر النجاد، قال: أبنا أبو داود السجستاني، قال: بنا أحمد بن محمد، قال: بنا "علي بن" الحسين. عن أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس =رضي الله عنهما= {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} نسختها الآية التي بعدها {وَمَا لَهُمْ أَلا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ} وقد روى مثله عن الحسن وعكرمة وهذا [ القول ] ليس بصحيح، لأن النسخ لا يدخل على الأخبار، وهذه الآية بينت أن كون الرسول فيهم منع نـزول العذاب بهم، وكون المؤمنين يستغفرون بينهم منع أيضا والآية التي "تليها" بينت استحقاقهم العذاب لصدهم عن سبيل الله، غير "أن كون" الرسول والمؤمنين بينهم منع من تعجيل ذلك، أو عمومه، فالعجب من مدعي النسخ
* الحـــــــالمة *
21-04-2005, 03:32 PM
جزاك الله خير ..
لكم تمنيت أن أقرأ أكثر عن هذا العلم ..
نستزيدك .. سددك الله
الصاحي
24-04-2005, 09:57 AM
قال تعالى: { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير } البقرة:106
الشروط التي يجب توافرها فيمن يتصدى للفتوى:
- ذكر العلماء الشروط التي يجب توافرها في المفتي في كتب أصول الفقه، وهي أن يكون على علم بالكتاب والسنة، ومواقع الإجماع ومعرفة القياس ومعرفة اللغة العربية والاطلاع على أقوال العلماء، ومعرفة الناسخ والمنسوخ والمطلق والمقيد والخاص والعام وأن ينزل الأحكام على مواقعها الصحيحة.
علم ناسخ الحديث ومنسوخه:
والنسخ عند علماء الأصول: هو رفع الشارع حكماً شرعياً بدليل شرعي متراخٍ عنه، ومثال النسخ في الحديث النبوي قوله صلى الله عليه وسلم: «كنتُ نهيتُكم عن زيارةِ القبور فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة» .
فعلم ناسخ الحديث ومنسوخه: هو العلم الذي يبحث في الأحاديث المتعارضة، التي لا يمكن التوفيق بينها، من حيث الحكم على بعضها بأنه ناسخ، وعلى بعضها الآخر بأنه منسوخ، فما ثبت تقدمه كان منسوخاً، وما ثبت تأخره كان ناسخاً.
ومن أقدم ما صنف في ناسخ الحديث ومنسوخه كتاب «الناسخ والمنسوخ» لقتادة بن دِعامة السَّدُوسي، ومن أجمع ما وصلنا كتاب «الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار» للحافظ النسّابة أبي بكر محمد ابن موسى الحازمي .
الصاحي
24-04-2005, 10:04 AM
وأنقل لكم من كتاب (قلائد المرجان في بيان الناسخ والمنسوخ في القرآن) للمقدسي هذا الاختصار والتهذيب:
[هذه] لطيفة فيها الحث على معرفة الناسخ والمنسوخ وذم من لم يعرفه ولو كان عنده في العلم رسوخ. قال صاحب كتاب (الإيجاز) : روي بالإسناد الصحيح أنّ أمير المؤمنين علياً (كرم الله وجهه) رأى رجلاً في المسجد يذكر الناس فقال له: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا، فقال له: هلكت وأهلكت وأخرجه من المسجد ومنعه من القصص فيه.
وروي عن ابن عباس في قول الله تعالى: "ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً"، فقال: هو معرفة القرآن الكريم ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومجمله ومفصله ومقدمه ومؤخره وحرامه وحلاله وأمثاله.
وروى عن حذيفة بن اليمان أنه قال: إنما يفتي الناس أحد ثلاثة رجل يعلم منسوخ القرآن وناسخه، ورجل قاض لا يجد من القضاء بد، ورجل متكلف ولست بالرجلين الماضيين وأكره أن أكون الثالث.
قال الشيخ الجليل هبة الله بن سلامة في كتابه (الناسخ والمنسوخ) : جاء عن أئمة السلف أن من تعلم في شيء من علم هذا الكتاب ولم يعلم الناسخ والمنسوخ كان عمله ناقصاً لأنه يخلط النهي بالأمر والإباحة بالحظر.
قال تعالى: "يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب"، فهذا أدلّ دليل على جواز النسخ في كتاب الله تعالى يعني بالمعنى المذكور، فالقرآن على هذا التأويل منسوخ من أم الكتاب منقول بالخط وحروف الهجاء، وأمّ كل شيء في كلام العرب أصله، وأمّ الكتاب اللوح المحفوظ. هذا أمر متفق عليه والقرآن بهذا المعنى كله منسوخ لأنه نسخ من اللوح المحفوظ.
الصاحي
24-04-2005, 10:33 AM
فائدة فيما يجوز أن يكون ناسخاً ومنسوخاً: وذلك خمسة أقسام:
الأول: نسخ القرآن بالقرآن:
وهو ثابت بالإجماع، كقوله تعالى: "ما ننسخ من آية" أي حكم آية "أو ننسها" أي نتركها فلا ننسخها أو نؤخّر حكمها، فيعمل به حيناً "نأت بخير منها" أي أنفع منها، ثم قال تعالى: "ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير" من أمر الناسخ والمنسوخ لأن إثباتهما في القرآن دلالة على الوحدانية، "ألا له الخلق والأمر".
الثاني: نسخ السنة بالقرآن:
وفيه خلاف بين العلماء فمنهم من منع ومنهم من أجاز، وعلى الجواز أكثر الأئمة وجمهور العلماء. فمن منع احتجّ بأن السنة مبيّنة للقرآن فلا يجوز أن يكون المبين ناسخاً للمبين لأن نسخ ما يبين الشيء داع إلى عدم البيان، قال تعالى: "لتبين للناس ما أنزل إليهم"، وقال تعالى: "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا" الآية. وأجيب عن الجمهور بأن هذا ليس بدافع لما قالوا به من الجواز، لأنه إذا جاز نسخ القرآن بالقرآن وهو الذي لا يجوز على منزّله البداء فيه، فأحرى وأولى أن يكون القرآن ناسخ فعل من يجوز عليه البداء. ألا ترى أنه عليه الصلاة والسلام كان قد أحلّ المتعة في بعض الغزوات ثلاثة أيام، وأمر المسلمين بالتوجه إلى بيت المقدس في [أول عهد] الصلاة، وردّ من جاء مهاجراً من المشركين للمعاهدة، وغير ذلك من أفعاله التي نسخها الله تعالى بما أنزل عليه نحو ما نسخ سبحانه من فعله عليه الصلاة والسلام وفعل أصحابه بما كانوا عليه في الكلام في الصلاة بقوله(تعالى: "وقوموا لله قانتين"، ونحو استغفاره عليه السلام لعمه نسخ بقوله تعالى: "ما كان للنبي والذين آمنوا معه أن يستغفروا للمشركين"، وهو كثير في القرآن. قلت: هذا حاصل ما قالوه، وفي الحقيقة لا خلاف بين الفريقين لأن من أجاز نسخ السنة بالقرآن أطلق في السنة ومن منع قيد السنة المبينة للقرآن، ولا شك أن المبيّن للقرآن من السنّة لا ينسخ، ولو سلمنا نسخ السنة المبيّنة للقرآن لرجع في الحقيقة إلى نسخ القرآن بالقرآن، فإذاً لا خلاف بين الفريقين بحسب الحقيقة. فأفهم، فإني لم أر أي حرج بالجمع بين كلام الفريقين. ويؤيد ما قلته قول بعض المحققين أن المبين من السنة للقرآن نوع على حدته؛ لا يسمى ناسخاً ولا منسوخاً.
الثالث: نسخ القرآن بالسنة المتواترة:
وهذا أيضاً فيه خلاف كثير بين العلماء فمنهم من أجاز ومنهم من منع. قال المجيز: إن قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا وصية لوارث" ناسخ لقوله تعالى: "الوصية للوالدين" الآية. واحتج بقوله تعالى: "وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا"، وبقوله تعالى: "وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى" فعمّم ولم يخصّص، فوجب علينا قبوله. وقال المانع، القرآن معجزة والسنة غير معجزة، فلا ينسخ المعجز من القرآن ما ليس بمعجز من السنة، واحتج بأن السنة مبيّنة للقرآن ولا يكون المبين للشيء ناسخاً. واستدل على المنع بقوله تعالى: "ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها"، والسنة ليست مثل القرآن: إذ هي محدثة والقرآن غير محدث. قلت هذا استدلال ظاهري فيه ما فيه، وأجاب أي المانع: عن قوله تعالى: "وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا" أي: ما أعطاكم مما أنزل عليه من الكتاب فخذوه واقبلوه وصدقوا به، وعن قوله تعالى: "وما ينطق عن الهوى" أي الذي يأتيكم به محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن هو من عند الله، لم ينطق به من عند نفسه بدليل قوله تعالى بعد ذلك: "إن هو إلا وحي يوحى". وأجاب عن آية الوصية بأنها نسخت بآية المواريث، ويؤيده قول الإمام مالك: إنّ آية المواريث نسخت آية الوصية للوالدين، فعلى هذا إنما نسخ القرآن بقرآن مثله والسنة إنما هي مبينة للآية الناسخة، قلت: ودليل المانع قوي وهو الحق إن شاء الله تعالى. وقول بعضهم: إن قوله عليه الصلاة والسلام: "لا تقتلوا أهل الذمة" ناسخ لقوله تعالى: "اقتلوا المشركين" فيه نظر إذ هو تخصيص لا نسخ، وترجيح بعض المحققين للجواز وتعليله: بأنّ محلّ النسخ هو الحكم والدلالة عليه بالمتواتر ظنية كالآحاد - فيه نظر، لاسيما والقرآن ثابت بالإجماع لم يخالف فيه مخالف ثابت في المصاحف متلواً بالألسن محفوظاً في الصدور، وقد شهد الله تعالى بإحكامه وأخبر بحفظه وعصم رسوله من الغلط والسهو فيه بخلاف السنة فإنها لم تأت مروية عن جميع أهل القبلة بل عن الواحد والاثنين أو من لم يبلغ عددهم عدد من أجمع على القرآن فهما قطعاً غير متساويين في الإعجاز والحفظ والنقل. قال بعض المحققين: وأجود ما قيل هو: أن السنة مبينة لا ناسخة، كما جاء عنه في آية الزواني في قوله تعالى: "أو يجعل الله لهن سبيلاً" فقال عليه السلام: "خذوا عني فقد جعل الله لهنّ سبيلاً" وبيّن السبيل ما هو بآية الجلد.
الرابع: نسخ السنة بالسنة:
وهذا لا خلاف فيه بين العلماء، وهو كثير نحو حديث مسلم: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها"، وهذا يعرفه أهل العلم بالآثار.
فائدة في كيفية معرفة الناسخ والمنسوخ والمكي والمدني:
والذي يحتاج إليه الناظر في الناسخ والمنسوخ من السنة والقرآن: معرفة التاريخ فينسخ المتقدم بالمتأخر إذ هو المعتبر ولا يعتبر ذلك بمواقع الآي من المصحف لأنه قد جاء فيه الناسخ في الترتيب قبل المنسوخ كما في آيتي عدة الوفاة. ويجب أن نعلم ما نزل بمكة من السور والآيات وما نزل بالمدينة لأنه أصل كبير في معرفة الناسخ والمنسوخ لأن الناسخ المنزل بمكة إنما نسخ ما قبله من المنزل بها، والمنزل بالمدينة نسخ ما قبله من المدني والمكي. ونزول المنسوخ بمكة كثير ونزول الناسخ بالمدينة كثير. قال بعضهم مما يستدل به على المكي أن كل سورة فيها "يا أيها الناس" وليس فيها "يا أيها الذين آمنوا" فهي مكية، وفي الحج خلاف، وكل سورة فيها "كلا" فهي مكية، أو في أولها حروف المعجم فهي مكية إلا البقرة وآل عمران، وفي الرعد خلاف، وكل سورة فيها ذكر المنافقين فهي مدنية سوى العنكبوت. قال ابن هشام عن أبيه: أن كل سورة ذكرت فيها الحدود والفرائض فهي مدنية، وكل ما كان فيه ذكر القرون الماضية في الأزمنة الخالية فهي مكية. قالوا: وكل آية نزلت في الصفح والإعراض فهي مكية.
الخامس: نسخ القرآن بالإجماع ونسخ الإجماع بالإجماع ونسخ القياس بالقياس:
أما نسخ القرآن بالإجماع فمنعه أكثر الأئمة من العلماء الراسخين وكذلك نسخ الإجماع بالإجماع، والقياس بالقياس ذكره البغداديون والمالكيون في أصولهم.
الصاحي
24-04-2005, 10:39 AM
الفرق بين النسخ والتخصيص والاستثناء:
وهذه كلها تأتي في كتاب الله تعالى لإزالة حكم متقدم. فالنسخ شرعاً: إزالة حكم المنسوخ كله ببدل آخر أو بغير بدل في وقت معيّن، فهو لبيان أزمنة العمل بالفرض الأول وانتهاء مدة العمل به وابتداء العمل بالثاني، فكان انتهاءه عند الله معلوماً وفي أوهامنا كان استمراره ودوامه، وبالناسخ علمنا انتهاؤه، فكان في حقنا تبديلاً وتغييراً. والتخصيص: هو إزالة الحكم، كأن يأتي لفظ ظاهره العموم لما وقع تحته ثم يأتي نص آخر أو دليل أو قرينة أو إجماع يدل على أن ذلك اللفظ الذي هو ظاهره العموم المراد به الخصوص، فهو بيان اللفظ العام بأمر خاص نحو قوله تعالى: "يوصيكم الله في أولادكم" الشامل للولد الكافر، فتلخص أن التخصيص لبيان الأعيان والنسخ لبيان الأزمان. والاستثناء: هو ما كان بحرف الاستثناء الدال عليه خلافاً للنسخ والتخصيص، والفرق بينه وبينهما أن النسخ لا يكون إلا منفصلاً عن المنسوخ والتخصيص يكون متصلاً ومنفصلاً والاستثناء لا يكون إلا متصلاً بالأول.
بيان ما يدخل فيه النسخ:
أعلم أن النسخ لا يدخل الخبر في قول أكثر الفقهاء والأصوليين، وبه قال مجاهد وسعيد بن جبير. وإنما يكون في الأمر والنهي لطفاً من الله تعالى بعباده. وقال قوم: إنه يكون في الأخبار التي معناها الأمر والنهي، وبه قال الضحاك. قلت: وعليه يتخرج نسخ آية "الزاني لا ينكح إلا زانية" وآية العدة. وقال قوم: أنه يكون في جميع أقسام الكلام، وبه قال زيد بن أسلم، وقال ابن الباقلاني: لا يجوز في خبر الله وخبر رسوله، وقال القاضي: في نسخ الخبر أنه إن كان مما لا يجوز أن يقع إلا على وجه واحد كصفات الله وخبر ما كان وخبر ما سيكون - لم يجز نسخه، ويجوز إن كان مما يصحّ تغييره وتحوله: كالأخبار عن زيد بأنه مؤمن أو كافر وعن الصلاة بأنها واجبة. قال بعض المحققين: هذا قول جيد. قلت: وعليه يتخرج نسخ نحو آية المحاسبة وآية المصابرة.
فائدة في جواز نسخ الأخف بالأثقل والأثقل بالأخف:
يجوز أن ينسخ الأخف بالأثقل والأثقل بالأخف. فالأثقل بمضاعفة الأجر ورفع الدرجات بالصبر وامتثال الأمر، والأخف للرأفة والرحمة مع جزيل الأجر منه تعالى، الله الكريم الجواد، فالنسخ حينئذ تحول العباد من حلال إلى حرام أو حرام إلى حلال ومن مباح إلى محظور ومن محظور إلى مباح ومن خفيف إلى ثقيل ومن ثقيل إلى خفيف. كل ذلك لما يعلم الله تعالى من المصلحة لعباده.
الصاحي
24-04-2005, 10:43 AM
ذكر ترتيب ما نزل بمكة من السور:
أول ما نزل من القرآن قوله تعالى: اقرأ باسم ربك الذي خلق، ثم نون ثم المزمل ثم المدثر ثم تبّت ثم التكوير ثم سبح ثم الليل ثم الفجر ثم الضحى ثم ألم نشرح ثم العصر ثم العاديات ثم الكوثر ثم التكاثر ثم الماعون ثم الكافرون ثم الفيل ثم الفلق ثم الناس ثم الصمد ثم النجم ثم عبس ثم القدر ثم الشمس ثم البروج ثم التين ثم قريش ثم القارعة ثم القيامة ثم الهمزة ثم المرسلات ثم ق ثم البلد ثم الطارق ثم القمر ثم ص ثم الأعراف ثم الجن ثم يس ثم الفرقان ثم الملائكة ثم مريم ثم طه ثم الواقعة ثم الشعراء ثم النمل ثم القصص ثم الإسراء ثم يونس ثم هود ثم يوسف ثم الحجر ثم الأنعام ثم الصافات ثم لقمان ثم سبأ ثم الزمر ثم غافر ثم فصلت ثم الشورى ثم الزخرف ثم الدخان ثم الجاثية ثم الأحقاف ثم الذاريات ثم الغاشية ثم الكهف ثم النحل ثم نوح ثم إبراهيم ثم الأنبياء ثم المؤمنون ثم السجدة ثم الطور ثم الملك ثم الحاقة ثم المعارج ثم النبأ ثم النازعات ثم انفطرت ثم انشقت ثم الروم.
واختلفوا في آخر ما نزل بمكة: فقال ابن عباس: العنكبوت، وقال الضحاك وعطاء: المؤمنون، وقال مجاهد: المطففين. فهذا ترتيب ما نزل بمكة وهو خمس وثمانون سورة، كذا في بحر العلوم للنسفي والبرهان للزركشي.
ذكر ترتيب ما أنزل بالمدينة:
أول ما نزل بالمدينة سورة البقرة ثم الأنفال ثم آل عمران ثم الأحزاب ثم الممتحنة ثم النساء ثم الزلزلة ثم الحديد ثم محمد ثم الرعد ثم الرحمن ثم الإنسان ثم الطلاق ثم ألم يكن ثم الحشر ثم النصر ثم النور ثم الحج ثم المنافقون ثم المجادلة ثم الحجر ثم التحريم ثم الصف ثم الجمعة ثم التغابن ثم الفتح ثم التوبة ثم المائدة، ومنهم من يقدم المائدة على التوبة. فهذا ترتيب ما نزل بالمدينة وهو ثمان وعشرون سورة. وفي هذه السور ما هو مكي كله وما هو مدني كله أو مدني ومكي على حكم ما نزل، ومرّ كثير منه. قلت: وقد رأيت في بعض التفاسير سبعاً وعشرين سورة مختلفاً في تنزيلهن هل هو مكي أم مدني، وهي: الفاتحة والرعد والحج والعنكبوت ومحمد والرحمن والحديد والمجادلة والتغابن والمزمل والإنسان والمطففين والفجر والتين والقدر وألم يكن والزلزلة والعاديات والعصر والهمزة وقريش والماعون والكوثر والفلق والناس والكافرون والصمد فالرعد. قال الأكثرون: مكية، وقال قتادة: مدنية. والحج قيل: مكية غير آيتين، وقيل: مدنية غير أربع آيات فراجعه. و[سورة] محمد قال الضحاك وسعيد بن جبير: مكية وقال: مجاهد مدنية. والمزمل قال قتادة: مدنية وقال الباقون: مكية. والمطففين قال: ابن عباس مدنية إلا قوله تعالى: "إن الذين أجرموا إلى آخرها"، وقيل: مكية إلا قوله تعالى: "وإذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين". وقيل: نزلت بالهجرة بين مكة والمدينة: نصفها يقارب مكة ونصفها الآخر يقارب المدينة. والماعون مكية عند أكثرهم وقيل: مدنية، وقيل: نصفها نزل بمكة في العاص بن وائل ونصفها بالمدينة في عبد الله بن أبي المنافق. والفاتحة قال علي وابن عباس وأبي بن كعب ومقاتل وقتادة مكية. وقال مجاهد: مدنية، وقال بعضهم: نزلت مرتين: مرة بمكة حين فرض الصلاة ومرة بالمدينة حين حولت القبلة ولتثنية نزولها سميت مثاني، ويقال: لم يثبت نزول الفاتحة جملة واحدة، وكذا الخلاف في السور الباقية. وآخر آية نزلت: "واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله"، وعاش عليه الصلاة والسلام بعدها سبع ليال وقيل: "إذا جاء نصر الله والفتح" أخرجه مسلم وقيل: آية الربا وقيل: آية "يستفتونك" وقيل: "لقد جاءكم من أنفسكم".
هذا والله أعلم وأحكم
الصاحي
24-04-2005, 10:44 AM
اعذروني فلا احسن اختيار الالوان ولو اني اردت ان اريح اعينكم عند قراءة السطور
الصاحي
24-04-2005, 10:54 AM
انتقيت لكم من جملة الناسخ والمنسوخ (وجملته نحو المائتي آية وعشرين آية ما بين متفق عليه ومختلف فيه) ما يلي:
سورة الفاتحة: ليس فيها ناسخ ولا منسوخ.
سورة البقرة: فيها من الآي المنسوخة خمس وعشرون آية:
قوله تعالى: "إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصائبين من أمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون": منسوخة بقوله تعالى: "ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه" الآية، وقال مجاهد والضحاك: ليست منسوخة بل محكمة. وهذه الآية أبطلت عمل كل عامل على غير ملة الإسلام، وقدروا محذوفاً في الكلام أي: إن الذين آمنوا ومن آمن من الذين هادوا ... الخ.
قوله تعالى: "وقولوا للناس حسناً الآية: منسوخة في حق المشركين بآية السيف: "فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم" الآية. وقال محمد بن علي بن الحسين بن الإمام علي رضي الله عنهم أجمعين وعطاء بن أبي رباح: هي محكمة. ومعنى حسناً: قولوا أن محمداً رسول الله. وقال عطاء: قولوا لهم ما تحبون أن يقال لكم.
قوله تعالى: "فأينما تولوا فثم وجه الله": منسوخ بقوله تعالى: "فولّ وجهك شطر المسجد الحرام"، وقيل: لا نسخ. والآية نزلت في المسافر يصلي التطوع حيث توجهت به راحلته، وقيل: نزلت في نفر كانوا في السفر فعميت عليهم القبلة وذلك بعد تحويل القبلة إلى الكعبة فصلوا ثم ظهر لهم الخطأ فلما قدموا المدينة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فنزلت: "ولله المشرق والمغرب" الآية. والوجه والجهة: القبلة. قلت: وعلى المعنيين فالآية محكمة حُكمها باق لأن المسافر يصلي النفل إلى جهة سيره، ومن اجتهد في الفريضة سفراً أو أخطأ القبلة فصلاته صحيحة.
قوله تعالى: "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا، إن الله لا يحب المعتدين": منسوخة بقوله تعالى: "فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه"، وبقوله تعالى: "وقاتلوا المشركين كافة".
قوله تعالى: "ويسألونك ماذا ينفقون، قل العفو"، وهو الفاضل عن قوت سنة: نسخ بآية الزكاة.
قوله تعالى: "وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله": منسوخة بقوله تعالى: "لا يكلف الله نفساً إلا وسعها" الآية. وسبب النسخ ما روى عن ابن عباس وغيره إن المنسوخ شقّ على الصحابة، وأنه يحرّك الأمر في نفوسنا ولو سقطنا في السماء إلى الأرض لكان أهون علينا، فقال عليه السلام: لا تقولوا كما قالت اليهود: سمعنا وعصينا، ولكن قولوا سمعنا وأطعنا، فلمّا علم الله تسليمهم أنزل الناسخ. وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه: "إن الله تجاوز عن أمتي ما وسوست به نفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به". فائدة: عند كثير من العلماء أن هذه الآية غير منسوخة ووجهه أن النصوص دالة على المؤاخذة بعزم القلب منها قوله تعالى: "إن الذين يحبّون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم"، وقوله تعالى: "إن بعض الظن إثم"، والإجماع على تحريم الحسد والكبر.
الصاحي
24-04-2005, 11:10 AM
سورة التوبة: فيها من المنسوخ ست آيات:
قوله تعالى: "عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين": منسوخة بقوله تعالى: "فأذن لمن شئت منهم" ومن غاية لطفه تعالى بعبده محمد عليه الصلاة والسلام أن بدأه بالعفو عنه ورفع محله فإفتتاح الكلام بالدعاء له إذ معناه أدام الله لك العفو وأصل العفو المحو والترك.
سورة طه: فيها من المنسوخ ثلاث آيات:
آية: "ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه": نسخ معناها بقوله تعالى: "سنقرئك فلا تنسى".
سورة الحج: هذه السورة من أعاجيب القرآن فيها مكي وهي رأس الثلاثين إلى آخرها ومدني وهي من رأس خمس وعشرين إلى رأس ثلاثين وليلي أي نزل بالليل وهو من أولها إلى خمس آيات ونهاري وهو من رأس خمس إلى رأس سبع وسفري وهو من رأس تسع إلى اثنتي عشرة وحضري وهو من رأس العشرين إلى آخرها. فيها من المنسوخ ثلاث آيات:
قوله تعالى: "وما أرسلنا من قبلك من رسول ونبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته": منسوخة بقوله تعالى: "سنقرئك فلا تنسى" والمراد بالأمنية: القراءة والتلاوة. والذي ألقاه الشيطان على لسانه عليه الصلاة والسلام هو قوله تلك الغرانيق العلى وأن شفاعتهن لترتجى وذلك فيما قيل: قبل العصمة بقوله تعالى: "سنقرئك فلا تنسى" فنسخ الله ذلك وأحكم آياته وعصمه من السهو في الوحي. وهذا في الحقيقة لا يسمى منسوخاً لان ما ألقى الشيطان ليس بقرآن.
سورة النور: فيها من المنسوخ ست آيات:
قوله تعالى: "والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين"، فإذا لاعن الزوج وجب على الزوجة حد الزنا فنسخ بقوله تعالى: "ويدرء عنها العذاب أن تشهد" الآية، كذا قيل:، والعذاب: الحد أو الحبس.
قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن، طوافون عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم": منسوخة بقوله تعالى: "وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا" الآية. قال ابن عباس: لم يكن للقوم ستور ولا حجاب فكان الخدم والأولاد يدخلون فربما رأوا منهم ما لايحبون أن يروه فأمروا بالاستئذان. وقد بسط الله الرزق للناس حتى اتخذوا الستور فرأى بعضهم إن ذلك أغنى عن الاستئذان وبعضهم رأى أنها محكمة. قالوا سئل الشعبي عن هذه الآية أمنسوخة هي؟ قال: لا والله، فقيل له: إن الناس لا يعلمون بها فقال: المستعان بالله. وقال ابن جبير: الناس يقولون نسخت هذه الآية، لا والله ما نسخت ولكنها مما تهاون به الناس.
قوله تعالى: "ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن": منسوخة بقوله تعالى: "والقواعد من النساء اللائي لا يرجون نكاحاً فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة" الآية.
سورة الشورى: فيها من المنسوخ سبع آيات:
قوله تعالى: "والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض": منسوخة بقوله تعالى: "ويستغفرون للذين آمنوا" الآية. وهذه الآية عامة اللفظ خاصة المعنى.
قوله تعالى: "قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى": منسوخة بقوله تعالى: "قل ما سألتكم عليه من أجر فهو لكم"، وبقوله تعالى: "ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين". وقيل: لا نسخ لأن مودة الرسول ومودة أقاربه من فرائض الدين.
سورة الأحقاف: فيها من المنسوخ آيتان:
قوله تعالى: "قل ما كنت بدعاً من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلي وما أنا إلا نذير مبين": منسوخة بقوله تعالى: "ليغفر لك الله" الآية. فائدة: قال العلامة هبة الله: ليس في كتاب الله آية من المنسوخ ثبت حكمها بقدر هذه الآية، ثبت ست عشرة سنة فقال الكافرون من أهل مكة: كيف يجوز لنا أن نتبع رجلاً لا يدري ما يفعل به ولا بأصحابه، وقال المنافقون من أهل المدينة كذلك، فلما كان عام الحديبية أنزل الله ناسخها وهو أول سورة الفتح. وفي بعض التفاسير لما نزلت هذه الآية فرح بها المشركون وقالوا: ما أمرنا وأمر محمد عند الله إلا واحد، وماله علينا مزية ولولا أنه ابتدع ما يقوله من تلقاء نفسه لأخبره الذي بعثه ما يفعل به فنزل الناسخ. فقال الصحابة: هنيئاً لك يا رسول الله، قد علمنا ما يفعل الله بك فما يفعل بنا فنزلت: "ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات" الآية. وقوله تعالى: "وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً"، فأخبر بما يفعل به وبأمته، ثم أخبر أن دينه سيظهر على جميع الأديان بقوله تعالى: "ليظهره على الدين كله" الآية، فعند ذلك قال المشركون والمنافقون: قد أعلمه الله ما يفعله به وبأصحابه فما عسى أن يفعل بنا؟ فنزل قوله تعالى: "وبشر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً"، ونزل عقبها قوله تعالى: "ليعذب المنافقين والمنافقات" من أهل المدينة "والمشركين والمشركات" من أهل مكة.
سورة الذاريات: فيها من المنسوخ آيتان:
قوله تعالى: "وفي أموالهم حق للسائل والمحروم": منسوخ بآية الزكاة.
قوله تعالى: "فتولّ عنهم فما أنت بملوم": منسوخ بقوله تعالى: "فذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين". فائدة: معنى "بملوم" أي: لا لوم عليك لأنك قد بلغت الرسالة، وقال سهل: أعرِض عنهم فقد جاهدت في الإبلاغ، وقال ابن عطاء: ارجِع إلينا فما قصرت فيما أمرت. قالوا: لما نزلت هذه الآية اشتدّ ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وظنّوا أن الوحي قد انقطع وأن العذاب قد حضر لأنه عليه الصلاة والسلام أمر بالإعراض فنزل الناسخ لطفا بهم.
سورة المنافقين: فيها ناسخ ولا منسوخ:
قوله تعالى: "سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين": ناسخ لقوله تعالى: "أن تستغفر لهم سبعين مرة"، وقد تقدم ذكره في سورة براءة.
سورة الكافرون: فيها من المنسوخ آية واحدة:
قوله تعالى: "لكم دينكم ولي دين" منسوخ بآية السيف.
---------
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيّنا محمّد، وعلى آله وصحبه وسلّم.
Powered by vBulletin
Copyright ©2000 - 2009, Jelsoft Enterprises Ltd