المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحلــ 11 ـــــقــ 12ـــــ13ــــ14 ــــات


abubader
22-05-2006, 10:06 PM
يوم الجــــــــــريمة الكبرى
كان الأجانب الذين يقيمون بالمغرب ويشتغلون في البغاء والمخدرات والتهريب والسمسرة ووكالات النقل البحري وحانات الخمور والفنادق كثيرين، فكان ينبغي اختيار بعضهم لتجنيدهم في إطار "عملية بويا البشير". من هنا جاءت فكرة تجنيد الفرنسيين الأربعة الذين كانوا يديرون بيوتاً مغلقة في الدار البيضاء والمحمدية وآسفي وتتوافر فيهم المواصفات المطلوبة لدى الكاب.
كان هؤلاء الأربعة يشكلون فيما بينهم شبكة دولية وكانوا متضامنين معاً، وكانوا معروفين في عالم اللصوصية والجريمة المنظمة والقوادة والبغاء وكذلك في قضايا الاختطاف، وسبق لهم أن تعاونوا بين 1961 و1962 مع "مصلحة التوثيق الخارجي ومحاربة التجسس" في عملية اختطاف الكولونيل "أرجود" في ألمانيا وتحدد دورهم في عملية "بويا البشير" كالتالي:
سيتم تقديمهم بوصفهم المجموعة المالية التي ستمول مشروع فيلم "باسطا" الوثائقي.
تنظيم لقاءات مستمرة مع بن بركة في باريس والقاهرة وجنيف وفرانكفورت للتفاوض معه بشأن المشروع بوصفه المستشار التاريخي للفيلم، ويجب أن تتم هذه اللقاءات في أماكن عامة أو في مطاعم يختارها سلفاً ميلود التونسي.
إدراج ميلود التونسي داخل محيطهم الباريسي ومساعدته في مهمته السرية في فرنسا، وتقديمه كرجل أعمال مغربي والتدخل لدى شريكهم وصديقهم أنطوان لوبيز لتسهيل مهمته في مطار أورلي وخارجه.
وضع شقة بوشيش الواقعة في "فونطوناي لي كونت" رهن إشارة الكاب لاستعمالها لمدة أيام بعد تنسيق لقاء بين المهدي بن بركة وأحد المبعوثين الخاصين من طرف المخزن المغربي "الحكومة".
مساعدة رجلي الأمن الفرنسيين في وقت توجيه الدعوة لبن بركة ونقله إلى الشقة المذكورة.
على أن ينتهي دور "عصابة الأربعة" عند دخول بن بركة للشقة، بعد هذه اللحظة سوف يصبح بيد رجال الكاب بانتظار تسليمه لمبعوث القصر الملكي الذي سيلتحق بهم فيما بعد، وسيتقاضى الرجال الأربعة مبلغاً بقيمة خمسة ملايين فرنك للواحد مقابل خدماتهم التي كانت تتحدد في عقد أربع لقاءات أو خمس مع المعارض المغربي بين مايو وأكتوبر 1965.



ملايين الفرنكات


أما الفريق السينمائي فقد تم اختياره باقتراح من الفرنسي "فيليب بيرنيي" من سينمائيين محترفين ذوي حساسية يسارية، وهكذا تم اختيار "جورج فرانجو" بوصفه مخرج الفيلم مقابل عشرة ملايين فرنك، وقد كان معروفاً في الأوساط السينمائية الفرنسية، حيث كان له فيلم شهير مثل فيه الدور الرئيس جون بول بلموندو. ووقع الاختيار على الكاتبة مارجريت دوراس وجورج فيجون لوضع سيناريو الفيلم مقابل خمسة ملايين فرنك لكل واحد. كانت دوراس معروفة في الأوساط الأدبية والسينمائية الفرنسية، أما فيجون فقد كان وجهاً معروفاً في الوسط الثقافي الفرنسي. وأسجل هنا أن الاثنين لم يكن لهما أي علم بخلفية العملية.
وضع المخطط النهائي للعملية في ضوء الترتيبات الأخيرة في الأسبوع الأخير من شهر أبريل 1965 وحرر تقرير تحليلي بذلك رفع إلى المخزن "الحكومة" وأوفقير والدليمي، ولم يدل أي طرف من هؤلاء الثلاثة بأي ملاحظات بخصوصه، لا قبل الشروع في التنفيذ ولا خلال ذلك ولا فيما بعد!.


الاختطاف والاغتيال


استيقظ المهدي بن بركة يوم الجمعة 29 أكتوبر 1965 في ساعة مبكرة، فقد كان في جنيف، وكان عليه أن يستقل أول طائرة تابعة لشركة "سويس آير" متجهة إلى باريس، حيث كان على مواعيد عدة خلال النهار وفي المساء.
كانت الطائرة السويسرية ستنزل في مطار أورلي الساعة التاسعة صباحاً تقريباً، وكان المعارض المغربي مرتبطاً بموعد في الثانية عشرة والنصف زوالاً مع صديقه الصحافي الفرنسي فيليب بيرنيي وفريق العمل في الفيلم بمطعم "ليب" لتوقيع العقد وتسلم شيك بمبلغ عشرة ملايين فرنك.
وعلى متن الطائرة كان هناك اثنان من رجال مصلحة العمليات التقنية التابعة للكاب: حليم محمد وحسن بن يوسف في هيئة متنكرة يلاحقان بهدوء خطوات بن بركة، وكان الواحد منهما يملك جوازي سفر مزورين بهويتين مختلفتين. وعندما وصلت الطائرة إلى باريس كان هناك ثلاثة رجال آخرين ينتظرون وصول المعارض المغربي في بهو المطار، هم ميلود التونسي ومحمد بتيش وعبد القادر الدرفوفي، وبعيداً عنهم كان هناك اثنان آخران من مصلحة مكافحة الشغب هما عبد القادر صاكا ومحمد المسناوي، وكان هذان المبعوثان الخاصان للعشعاشي مكلفين بمراقبة عمل الرجال الخمسة التابعين لمصلحة العمليات التقنية.


آخر عمليات


قضى التونسي والدرفوفي وبتيش الليلة السابقة في فندق صغير بالعاصمة باريس التي نزلا بها ليلة 28 29 أكتوبر عائدين على متن قطار من جنيف التي قضوا بها اليومين السابقين، وقد سافروا جميعاً لكن متفرقين في المقصورات كالعادة، وبحوزة كل واحد منهم ثلاثة جوازات سفر مزورة بثلاث هويات مختلفة. استعمل ميلود التونسي عدة أسماء عائلية مستعارة بحسب الظروف والطوارئ: الشتوكي، حيمي وبن التهامي، وأسماء شخصية مختلفة هي: العربي، المختار، محمد، المعطي، عباس وميلود وعندما وصل الثلاثة إلى باريس استأجروا سيارة قبل أن يتوجهوا إلى الفندق لقضاء ليلتهم، والتوجه بعد ذلك إلى مطار أورلي في ساعة مبكرة من صبيحة اليوم التالي الموافق ل29 أكتوبر، قبل موعد وصول الطائرة التي تحمل المهدي بن بركة، وقد تم استئجار السيارة من طرف التونسي بإحدى الوثائق التي تحمل هوية مزورة.
أما محمد المسناوي وعبد القادر صاكا فقد وصلا باريس يوم الثلاثاء 26 أكتوبر مع رئيسهما محمد العشعاشي، بعد توقف في إسبانيا وكان العشعاشي يحمل جوازات سفر مزورة أعدها أحمد ادجين، وتحمل الأسماء التالية: مصطفى العشعاشي، مصطفى جاليت، مصطفى مناع، محمد جاليت، محمد مناع، بنيونس ادجين، مصطفى ادجين ومحمد ادجين. أما محمد المسناوي فقد كان يحمل جوازات بالأسماء التالية: عبد الله المسناوي، حسن المسناوي، محمد عمو، عبدالكريم عمو، عبد الله عمو وحسن عمو.
بينما كان عبد القادر صاكا يحمل الأسماء التالية في جوازات سفره المزورة: العربي شمس، عبد القادر شمس، كريم صاكا، العربي صاكا، عبد القادر الشريف، كريم الشريف، العربي الشريف، عبد القادر مرزوق، كريم مرزوق، والعربي مرزوق. تم تسجيل آخر عمليات ترصد لخطوات بن بركة في صباح الجمعة 29 أكتوبر، وقد بدأت من مطار أورلي في الساعة التاسعة صباحاً وانتهت في الساعة الثانية عشرة والنصف زوالاً بشارع "سان جيرمان" قرب مطعم "ليب"، وقام بها الثنائي محمد بتيش وعبد القادر الدرفوفي من المجموعة الثانية التي يرأسها ميلود التونسي، أما عملية الترصد ما قبل الأخيرة فقد انطلقت في نفس اليوم بجنيف عبر الطائرة من طرف حليم محمد وحسن بن يوسف من نفس المجموعة، وبدأت في الخامسة فجراً أمام مقر إقامة بن بركة وانتهت في التاسعة صباحاً بمطار أورلي.


قبل الاختطاف


في مطار أورلي أيضاً كان رجلا أمن فرنسيان من الاستعلامات العامة ينتظران بدورهما وصول المعارض المغربي، إنهما نفس الشخصين اللذين كانا ينتظرانه كلما زار العاصمة الفرنسية ويسيران على بعد خطوات منه لتوفير الحماية له، وقد كانا هنا أيضاً في هذا اليوم التاريخي المشهود الساعة التاسعة بالمطار والثانية عشرة والنصف قرب المطعم، ونجح التونسي في تصويرهما خلسة مرات عدة قبل وبعد وصول بن بركة.
في الساعة التي هبط فيها المعارض المغربي أرضية المطار انتقل الثلاثة: التونسي وحليم وبنيوسف إلى شارع "سان جيرمان" بجوار المطعم على متن السيارة المستأجرة ومعهم آلة تصوير وكاميرا بانتظار منتصف النهار لتصوير مشاهد اختطاف بن بركة مباشرة، وصل الثلاثي إلى الشارع المذكور في العاشرة والنصف صباحاً، قبل حتى وصول الشرطيين الفرنسيين المكلفين بدعوة بن بركة ونقله إلى شقة بوشيش.
أما المسناوي وصاكا فقد انتقلا هما أيضاً إلى المكان الذي سيكون بعد قليل مسرحاً لعملية الاختطاف على متن سيارة تابعة للسفارة المغربية بباريس، مهمتهما دائماً مراقبة عمل عناصر مصلحة العمليات التقنية التي يقودها التونسي، قبل التوجه إلى شقة بوشيش وانتظار حضور بن بركة ومختطفيه. وبالنسبة لرجلي الأمن الفرنسيين المكلفين بالدعوة-الاختطاف، وهما "روجر فواتوت" و"لويس سوشون" فقد استقلا سيارة تابعة للمفرزة الأمنية الحضرية لباريس برفقة أنطوان لوبيز وجوليان ليني وقصدوا جميعاً مطعم "ليب" لانتظار زعيم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.
كان بن بركة مصحوباً لدى وصوله إلى باريس بطالب مغربي هو التهامي الزموري الذي كلفه بأن يجمع له الوثائق المتعلقة بالحقبة التاريخية التي يتحدث عنها الفيلم الوثائقي.
وقبل اختطافه التفت المعارض المغربي إلى الطالب الشاب وقال له: "إنني متفائل جيداً ولدي ثقة كبيرة بالرغم من كل شيء، لأن هناك عروضاً إيجابية من الحسن الثاني، من المحتمل أن نشارك في حكومة يكون بها أيضاً أحزاب سياسية أخرى، وأعتقد أن ذلك سيكون أمراً جيداً بالنسبة للبلاد، إذ إن المعارضة المنهجية ليست مسألة إيجابية، ويجب أن يكون المرء إيجابياً في بعض الأوقات ومتعاوناً، وأنا أعتقد في الظروف الحالية أن البلاد بحاجة إلينا، ومن أجل هذا أريد العودة إلى المغرب".


تسجيل الملاحظات


قرب الثانية عشرة مساءً وصل بن بركة أمام مطعم "ليب" على متن سيارة أجرة برفقة مرافقه الطالب المغربي، من خلفه كانت سيارتا أجرة أخريان تقل الأولى رجلي الأمن الفرنسيين، والثانية عنصري مصلحة العمليات التقنية: بتيش والدرفوفي اللذين لاحقا الزعيم المغربي المعارض من المطار. ولدى وصوله نادى الفرنسيان عليه وأركباه في المقعد الخلفي لسيارتهما دون أن يعيرا اهتماماً للتهامي الزموري المرافق له، لكن هذا الأخير بدأ يصرخ في الشارع العام، وخوفاً من أن تتطور الأمور إلى المنحى السلبي هرع بتيش والدرفوفي على جناح السرعة إلى الطالب المغربي وهدداه فانسحب بدون ضجيج.
كل هذا حدث أمام أعين رجلي الاستعلامات الفرنسية الخاصة المكلفين بحماية بن بركة، واللذين سجلا رقم السيارة التي أركب فيها بن بركة لحمله إلى جهة مجهولة، وخلال هذا الوقت كان التونسي وبنيوسف وحليم يقومون بتصوير كل تلك المشاهد. لقد كان ذلك شبيهاً برقصة باليه غريبة.
في تلك الصور الملتقطة التي رأيناها عشرات المرات فيما بعد كانت تبدو بوضوح السيارة والفرنسيون الأربعة بداخلها، وكان يمكن رؤية لوبيز متنكراً، ووصول بن بركة والطالب الشاب ورجلي الأمن الفرنسيين المكلفين بحمايته على متن السيارة الأجرة وعنصري مصلحة العمليات التقنية بالكاب، كما يمكن رؤية جميع الجزئيات المتعلقة بعملية الاختطاف وتدخل الدرفوفي وبتيش لإسكات الطالب وإبعاده عن مسرح العملية، وأيضاً رجلي الاستعلامات العامة الفرنسية وهما يسجلان الملاحظات ويثبتان في مكانهما دون حراك بشكل مثير.
بعد أن أوصل "فواتوت" و"سوشون" المهدي بن بركة إلى داخل الشقة انتهت مهمتهما، فأخذا طريق العودة بهدوء وفي قاعة الاستقبال بالشقة كان رجال الكاب الأربعة في الانتظار: محمد العشعاشي، محمد المسناوي، عبد القادر صاكا وعبدالحق العشعاشي الذي لم يكن حتى تلك اللحظة قد ظهر في جميع الصور التي التقطت خلال العملية، بعد ذلك حضر اثنان آخران من الكاب هما ميلود التونسي و"الممرض" أبو بكر الحسوني الذي سجل في تلك اللحظة أول ظهور له على مسرح الأحداث، وفي اللحظة ذاتها كانت العناصر الأربعة التابعة لمصلحة العمليات التقنية: حليم، بن يوسف، بتيش والدرفوفي، يغادرون الشقة عبر الحديقة بعد انتهاء مهمتهم، وفي مكان آخر بعيداً عن موقع الشقة في باريس، كان رجلا الاستعلامات العامة الفرنسية يقدمان محضر ما جرى إلى رئيسهما، لكن هذا الأخير كان في عطلته الأسبوعية، فوضع الرجلان المحضر وذهبا لقضاء عطلة نهاية الأسبوع مع عائلتيهما، وبقي المحضر في مكانه إلى يوم الثلاثاء 2 نوفمبر، بعدما حصل ما حصل.


حقنة مخدرة


في شقة "بوشيش" دخل المهدي بن بركة ورجال الكاب الستة في نقاشات مطولة استمرت لمدة ست ساعات تقريباً، وبقيت الأجواء حتى تلك اللحظة ودية وهادئة إلى مجيء أحمد الدليمي في الساعة السابعة مساء، ولدى وصوله قرر على الفور أن يقوم بتعذيب بن بركة بعد تكميم فمه وربطه بوثاق إلى الكرسي بمساعدة التونسي والحسوني، ولإخراسه نهائياً أمر الدليمي "الممرض" الحسوني بحقنه بحقنة مخدرة، ففقد بن بركة وعيه ساعات، وبين الحين والآخر كان العشعاشي والدليمي يتخاصمان حول جدوى هذا التعذيب المجاني الذي ليس وارداً في مخطط الاختطاف، حسب رأي العشعاشي.
في منتصف الليل تقريباً وصل الجنرال محمد أوفقير بدوره إلى الشقة، كان في حالة سكر بيّنٍ، وفور وصوله بدأ في مشاركة الدليمي في تعذيب المعارض المغربي، بمساعدة الحسوني والتونسي والدليمي نفسه. كان بن بركة موثق اليدين إلى الخلف وواقفاً، وعندما بدأ يستعيد وعيه قليلاً أمر أوفقير بحقنه مجدداً للمرة الثانية خلال ساعات فقط، وتحت التعذيب المتواصل لكل من أوفقير والدليمي دخل بن بركة للمرة الثانية في غيبوبة. كانت الساعة آنذاك تشير إلى حوالي الثالثة صباحاً، ولم يفق زعيم المعارضة المغربية من غيبوبته بعد ذلك أبداً!!.
بقيت جثة بن بركة في شقة "بوشيش" لمدة ساعات وإلى جواره رجال الكاب الستة ومنعهم أوفقير الذي كان ما يزال مخموراً من الاتصال هاتفياً بالمغرب وطلب منهم الانتظار حتى تصلهم تعليمات جديدة، فظل الرجال الستة أمام الجثمان لا يعرفون ما هي هذه التعليمات التي يمكن أن تأتي الآن، وتوجه أوفقير والدليمي إلى مطار أورلي أو مطار بورجي حيث كانت طائرتان عسكريتان بانتظارهما، هما نفسهما اللتان حملتاهما إلى باريس في توقيتين متزامنين تقريباً، الأولى من فاس عبر الجزائر والثانية مباشرة من الرباط.
وبعد عودتهما إلى مطار "فاس سايس" مكثا هناك لبضع ساعات ثم عادا إلى باريس، لكن هذه المرة على متن طائرة مدنية تابعة للخطوط الجوية المغربية، ووصلا بشكل منفصل ولكن متزامن تقريباً إلى مطار أورلي في النصف الثاني من يوم السبت 30 أكتوبر.
خلال فترة غيابهما جرى إلباس جثمان المهدي بن بركة بعناية: بدلة رمادية اللون وقميصاً أبيض وربطة عنق ونظارة سوداء وطربوشاً، ثم نقل إلى شقة "لوبيز" في انتظار ترحيله إلى مطار أورلي، حيث ستهبط بعد قليل الطائرة العسكرية التي نقلت بالأمس أوفقير في رحلته السريعة من الرباط إلى باريس ثم من باريس إلى فاس لنقله إلى المغرب، وفي الساعة العاشرة ليلاً وصلت الطائرة ورافق التونسي والحسوني جثمان المعارض المغربي، حيث كانا يحملان جوازين مزورين في هذه الرحلة الاستثنائية، واستخرجا لبن بركة جوازاً مزوراً.
تقدم التونسي الذي كان يعرف جيداً الإجراءات الإدارية العادية والاستثنائية لشرطة المطار حوالي الساعة الحادية عشرة ليلاً إلى مكتب الاستعلامات العامة بمطار أورلي أو بورجي، مصحوباً بالجوازات الثلاثة وثلاث أوراق هوية معبأة الخانات، فختم الشرطي الوثائق دون طرح أية أسئلة ولا حتى إلقاء نظرة على الصور والوثائق لفحصها ولم يكن يعرف أن بين المسافرين الثلاثة شخصاً ميتاً، ليس أي شخص، بل: المهدي بن بركة شخصياً!.
الاختفاء النهائي: هكذا وصل جثمان المهدي بن بركة في سرية تامة إلى المغرب ليلة 30 31 أكتوبر 1965. وفي العاشرة صباحاً غادر الدليمي وأحد عناصر مصلحة العمليات التقنية التراب الفرنسي عائدين إلى المغرب. ووصل جثمان بن بركة للمغرب تمام الساعة الثالثة فجراً حيث حطت الطائرة العسكرية بمطار الرباط سلا يوم الأحد 31 أكتوبر، وكان بانتظاره أحمد ادجين وتم حمل الجثمان مباشرة إلى النقطة المركزية "دارالمقري" وبقي برفقته التونسي والحسوني وادجين في انتظار وصول التعليمات، بعد ذلك سيلتحق بهم محمد النويني ثم أحمد الدليمي فور نزوله من رحلة العودة من باريس.
في حوالي الساعة الثانية بعد الظهر وضع جثمان المهدي بن بركة بداخل حوض من الفولاذ غير قابل للصدأ يحتوي على أحد الأحماض من أجل تذويبه ليختفي نهائياً بعد ذلك بدار المقري!
48 ساعة بعد عملية الاختطاف فوق التراب الفرنسي. وفي هذه الأوقات كانت السلطات الفرنسية تحاول العثور على أي شيء يدل على معالم الجريمة، لكن دون جدوى. فلا أحد في فرنسا كان يتصور أن شخصية سياسية معروفة مثل المهدي بن بركة يمكن أن يجري اختطافها فوق التراب الفرنسي، ثم يعذب ويقتل في فرنسا، ويتم نقل جثمانه بشكل سري إلى المغرب على متن طائرة عسكرية تابعة للجيش المغربي.
قبل وضعه داخل الحوض وتذويبه جرى تصوير الجثمان عدة مرات ومن زوايا مختلفة، كيف يمكن أن للمرء أن ينسى هذه الصور؟ لقد رأيتها عشرات المرات طيلة خمسة وثلاثين عاماً وحاولت أن أتصور المشاهد والجزئيات الأخرى التي لا يمكن تخيلها، وناقشت الأمر مع العشعاشي وصاكا والمسناوي، الشهود والفاعلين في القضية في فرنسا، ومع ادجين الشاهد فيما حصل في دار المقري وفي عملية تذويب الجثمان وإخفاء معالمه، وبقيت هناك صدمة قوية وجرح مفتوح، بالرغم من مضي سنوات على ذلك وحصول تجارب عدة.

حــــــــالة استثنائية لرجل غير عادي :
انتهى كل شيء.. وذابت الجثة في الحوض المملوء بمادة كيماوية!! لقد كانت عمليات الاختطاف في المغرب عملة رائجة، خاصة في فترة المؤامرات المزعومة للاتحاد الوطني للقوات الشعبية؛ فقد تم تجنيد ما بين 200 إلى 300 من رجال المخابرات المغربية، أي حوالي الثلثين لهذه المهمات وكانت مهماتهم هي تصفية الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات الطلابية، وإخراس الزعماء السياسيين ونصب الفخاخ لهم ودفع عدد كبير منهم للتعاون مع المخابرات المغربية.
لتحقيق هذه الأهداف كان رجال المخابرات المغربية يقومون بعمليات اختطاف تصل إلى 350 حالة في السنة في الفترة ما بين 1960 و1973، لكن هذا المعدل كان يتغير في بعض الظروف السياسية المختلفة التي لا يكون فيها احتقان سياسي كبير.
وفي قضية مؤامرات الاتحاد الوطني للقوات الشعبية عام 1963 جرى تسجيل خمسة آلاف حالة اختطاف في صفوف أتباع هذا الحزب داخل المغرب، ونزل هذا العدد إلى ثلاثة آلاف في مؤامرات 1969 1970، ثم ارتفع إلى ستة آلاف في أحداث مارس 1973.
كان الآلاف من المعارضين المختطفين يساقون إلى عدة أماكن سرية غير شرعية خاصة بالتعذيب والحجز الطويل وكان هناك خمسة أماكن في الرباط والدار البيضاء.
لقد اشتهرت دار المقري التي اقتيد إليها جثمان بن بركة بين هذه الأماكن في العالم كله بعد الشهادات التي أدلى بها رشيد اسكيرج العميد السابق الذي عمل في المخابرات المغربية في ملف بن بركة عام 1967 بباريس. وكانت عمليات الاختطاف ال350 في السنة الواحدة يتم الإعداد لها مدة أشهر داخل الخلية الخاصة بالاتحاد الوطني للقوات الشعبية التابعة لمصلحة مكافحة الشغب بالمخابرات المغربية، والتي كان يشرف عليها محمد المسناوي وأنا، ويتم تنفيذها من طرف الأربعين عنصراً العاملين مع الخلية في عدة مدن بالمملكة، وكان كل شيء يجري تحت سلطة مصلحة مكافحة الشغب، ويشارك فيها عناصر مصلحة العمليات التقنية الذين يقومون بمهام الملاحقة والترصد والمراقبة السرية والتنصت على المكالمات وفتح الطرود والرسائل البريدية، كما كان يشارك فيها في حال الضرورة عناصر من الدرك الملكي والأمن الوطني والجيش الملكي.



مهمة خاصة!


عملية اختطاف بن بركة.. من العمليات الاستثنائية الناجحة التي قام بها العملاء السريون، وقد قامت مصلحة مكافحة الشغب بالإشراف على هذه المهمة الخاصة من خلال التخطيط لها ومتابعة تنفيذها وتمويلها وتوفير الوثائق الضرورية لها، كل ذلك في بحر سبعة أشهر ويومين. على رأس هذه المصلحة كان هناك رجل أمن استثنائي المواصفات هو محمد العشعاشي، وخبير أمريكي هو مارتان، وفي محيطهما عشرات من المعاونين وراءهم نحو عشرين من "العمل والتجربة". وفي عملية بن بركة تم تجنيد حوالي خمسين، منهم من تجرد للمهمة بكامل قواه، إلى حد أن نسوا حتى أنفسهم لإنجاحها، ومن بين هذا العدد لم يتم التعرف في التحقيقات إلا إلى واحد هو التنونسي، لكن باسمه المستعار المنتحل وهو الشتوكي.
وأسجل هنا أن بعض رجال الأمن الآخرين من خارج المخابرات المغربية شاركوا في هذه العملية، وهم رجال الدليمي وأوفقير اللذين تم وضعهما على الحياد في بداية التحضير وخلال المهمات السرية في مارس 1965، فكانا يتابعان ما يجري فقط من بعيد طيلة سبعة أشهر، وفي اللحظة الأخيرة تلقيا الضوء الأخضر من المخزن للسفر إلى باريس يوم 29 أكتوبر باسمين منتحلين، وفي شبه سرية لحضور عملية تخدير بن بركة ونقله إلى مطار أورلي، ومنه إلى الرباط "حياً ومنوماً بمخدر".
ولكن نجاح العملية يعود أيضاً إلى الدعم الذي حصلت عليه داخل فرنسا سواء من أجهزة المخابرات أو الأمن ووزارة الدفاع ووزارة الداخلية والحكومة، بل من داخل رئاسة الجمهورية.
وقد شعر الجنرال ديجول بالإهانة بعد وقوع العملية ووقف موقفاً حرجاً: فبن بركة كان تحت الحماية الفرنسية، وقد اختطف فوق التراب الفرنسي، في قلب العاصمة الفرنسية، من طرف رجلي أمن فرنسيين، وتحت أعين رجلي أمن فرنسيين آخرين مكلفين بحمايته، ونقل على متن سيارة تابعة للشرطة الفرنسية، وعذب ومات فوق التراب الفرنسي أيضاً!!
تم تحقيق هدف عملية "بويا البشير" يوم 29 أكتوبر 1965، ولكن بشكل جزئي، لأن المخطط كان يتضمن اختطاف المعارض المغربي في باريس ونقله إلى المغرب حياً ومخدراً بكمية محددة من المخدر ونقله بعد ذلك إلى دار المقري حيث يظل فيها مدة أشهر أو سنوات إلى حين وصول تعليمات بشأنه مباشرة من المخزن!


اختبار الحالة


في صبيحة يوم 29 أكتوبر وضع محمد المسناوي قائمة بأسئلة مخصصة لبن بركة بتشاور مع محمد العشعاشي وعبدالقادر صاكا، بقاعة الاستقبال في شقة "بوشيش".
كان المسناوي خبيراً كبيراً فيما نسميه "اختبار الحالة" بشعبة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بالمخابرات المغربية، لكن بن بركة هنا كان "حالة استثنائية" مما يوجب أن تكون الأسئلة مدرجة في إطار عملية "المحادثة النقاش" لكي لا يثير ذلك شكوك المعني أو غضبه، ويدفعه إلى التمترس وراء الصمت، وكان المسناوي يتصف بنوع من الدعابة بحيث إنه كان قادراً على نيل ثقة خصمه ووضعه تحت سيطرته، والحصول منه على إجابات حقيقية ومقنعة عن جميع الأسئلة المطروحة.
في حوالي الساعة الثانية عشرة والنصف زوالاً هاتف ميلود التونسي محمد العشعاشي ليبلغه بأن "المعني قد سقط في الفخ" كما كان منتظراً، وأنهم سيكونون في الشقة في بحر ساعة، ومن جانبه اتصل العشعاشي فوراً بمصلحة الدوام الخاص في المخابرات المغربية بالرباط لإبلاغ النبأ إلى أوفقير والدليمي. وفي نهاية الأسبوع الطويلة تلك كنت مكلفاً بالدوام الخاص بين 29 أكتوبر الساعة الثامنة صباحاً، والأول من نوفمبر في نفس الساعة، قمت بتسجيل مكالمة العشعاشي حال وصولها الساعة الحادية عشرة صباحاً بالتوقيت المغربي في سجل الدوام، قبل أن أتصل بأوفقير والدليمي بالجزائر، توصل الدليمي بالمكالمة على الفور، أما أوفقير الذي كان في الطريق إلى الرباط على بعد حوالي أربعين كيلومتر فلم يتلقها إلا بعد ساعات على ذلك؛ لأن الهواتف التي كانت بحوزتي واتصلت بها عليه لم يكن يوجد بها.
وصل بن بركة إذن الساعة الواحدة والنصف زوالاً، إلى شقة "بوشيش"، مرفوقاً برجلي الأمن الفرنسيين، وفي اللحظة التي دخل فيها إلى قاعة الاستقبال صار متوتر الأعصاب وبدأ يحتج على الفرنسيين لأنهما لم يسمحا له بترك رسالة لرفيقه الطالب المغربي التهامي الزموري الذي كان برفقته حتى يبلغها للأشخاص المرتبط معهم بموعد في مطعم "ليب". وعندما رآه رجال المخابرات المغربية الأربعة الذين كانوا في الانتظار بداخل الشقة لم يصدقوا أعينهم، استقبلوه استقبالاً حسناً وحاولوا تهدئته بالقول إن الرجلين لم يقوما إلا بما طلب منهما لأنه كان ينبغي أن يحضر إلى هنا في الوقت المحدد، وكشفوا له أيضاً عن هويتهم باعتبارهم من المخابرات المغربية، قائلين إنهم أرسلوا إلى هذه المهمة لتنسيق لقاء بينه وبين مبعوث من القصر الملكي ربما يكون اللقاء الأخير، فاستعاد بن بركة هدوءه المعتاد بعد دقائق مطمئناً إلى كلام المسناوي صاحب الدعابة!
بعد ذلك دخل زعيم اليسار المغربي في مناقشات مطولة مع رجال المخابرات المغربية الذين أصبحوا الآن ستة بعد أن لحق بهم التونسي والحسوني، وكان المسناوي أكثرهم ثرثرة، بينما كان الشقيقان العشعاشي يتحدثات قليلاً، أما التونسي والحسوني فقد التزما الصمت بعدما لاحظا أن الأحداث تجاوزتهما، وكان المسناوي بذكائه ومراوغته أكثر دبلوماسية في الحديث، فطرح أسئلة معدة جيداً من قبل لهذه المناسبة، وكان بن بركة يرد على جميع الأسئلة طيلة الفترة التي استغرقتها المناقشات التي سجلت جميعها في أشرطة تسجيل مخبأة لدى صاكا والتونسي.
كان زعيم المعارضة المغربية بقلب مفتوح وبثقة عالية ويقول ما يود أن يقوله، وكان يبدو جاداً وصادقاً ولديه رغبة قوية في العودة إلى المغرب "للمشاركة في حكومة وحدة وطنية والتعاون بصدق مع النظام القائم"؛ فقد كان يعتقد بأن الوصول إلى تفاهم مع النظام المغربي ما يزال ممكناً لصالح حاضر ومستقبل البلاد، وبالرغم من كل أخطاء الماضي والاختلافات السابقة كان متفائلاً بالنسبة لمستقبل البلاد، ولم يتردد في القول بأنه مل حياة المنفى وأنه يريد الدخول إلى المغرب في أقرب وقت للاستقرار إلى جانب عائلته وأصدقائه، ولكن هذه العودة مشروطة بالنسبة له بثلاثة شروط مهمة جداً:
1 قمة القارات الثلاث: المقررة في يناير 1966 لأنه كان مكلفاً بالتحضير لها ويرأس لجنتها التنظيمية منذ بداية 1965، وهو يكرس كامل وقته لإنجاح هذه القمة. ولم يتردد في الاعتراف بما يعرفه رجال المخابرات المغربية الواقفين أمامه، وهو أن تنظيم هذه القمة تعترضه ظروف مالية صعبة منذ 19 يونيو 1965 تاريخ وقوع الانقلاب العسكري في الجزائر الذي أطاح بنظام أحمد بن بلة الذي كان سيمول كل ما يتعلق بالقمة، وشرح كيف أن اللجنة التحضيرية بالرغم من هذه الصعوبات قررت مواجهة الأمر الواقع بالتقليص من المصاريف، وختم بالقول إن جميع التحضيرات قد شارفت على الانتهاء وأن القمة ستنعقد في موعدها المحدد في يناير المقبل.
2 اتفاق مكتوب حول عودته إلى المغرب: وكان هذا الاتفاق قد شكل موضوع مباحثات عدة بين الملك الحسن الثاني وقيادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في الفترة ما بين مارس وأبريل 1965، حيث إن هذا الاتفاق المكتوب كان سيضع حداً للمتابعات القضائية التي يتعرض لها بن بركة، خصوصاً بعد حكمي الإعدام الصادرين ضده عامي 1963 و1964، وكان يعتقد صادقاً أن مثل هذا الاتفاق المكتوب يجب أن يتم قبل نهاية العام لأن جميع الشروط المرتبطة بعودته رفقة عائلته قد تمت تسويتها في اللقاء الذي جرى بينه وبين الأمير مولاي علي مبعوث الملك في فرانكفورت بألمانيا، واعترف بأنه هو شخصياً يثق في "مبعوث الملك، صهره وابن عمه وسفير المغرب في باريس الذي يحظى باحترام جميع الأطراف السياسية بالمغرب وفي فرنسا وباقي بلدان العالم"، وأكد أن اتفاقاً مكتوباً مسألة ضرورية لأنه بدون ذلك سيتعرض للتعذيب أو الاعتقال أو في أحسن الحالات للتسميم، وبخصوص التعذيب قال إنه منذ أن بدأ يشتغل في السياسة عام 1935 حين كان عمره الخامسة عشرة لم يسبق أن تعرض للتعذيب أو الاعتقال، وأن مسؤولي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذين حصل معهم ذلك شرحوا له كيف أن هذا الأمر يطرح مشكلة في المغرب لأنه ظهر مباشرة بعد الحصول على الاستقلال، وقال إنه في ظل الحماية الفرنسية تعرض مرات للاعتقال والنفي بجنوب المغرب واختطف وحوكم لكن ذلك كان يحصل في احترام تام للقانون وفي ظروف لائقة، وأضاف أنه غادر المغرب في سرية في يناير 1960 ويونيو 1963 لكي يتجنب اعتقاله التعسفي الذي كان وشيكا، والاختطاف والتعذيب، وأنه فضل حياة المنفى في الخارج مرتين بعد الاستقلال من أجل ضمان أمنه الشخصي، الأولى بين يناير 1960 ومايو 1962، والثانية بين يونيو 1963 ويونيو 1965، متمنيا أن يكون هذا "آخر مرة أعيش فيها حياة المنفى في حياتي السياسية إن شاء الله".
3 عودة الجيش إلى الثكنات: بالنسبة لبن بركة قال انه يتعين على الجيش أن يغادر مواقع المسؤولية التي يشغلها حاليا ويعود إلى الثكنات العسكرية في القوات المسلحة الملكية للقيام بمهامه العسكرية والكليات الحربية والدرك والقيادة العامة. لقد كان زعيم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية يعتقد أن الجيش يمكن أن يعود إلى الثكنات بأمر بسيط من رئيس الدولة بعد حصول الاتفاق بينه وبين حزبه بخصوص هذا الأمر، ولكن ذلك لم يكن صحيحا لأن العساكر كانوا متشبثين بمواقعهم في المسؤولية داخل أجهزة الدولة مع كامل السلطات بين أيديهم والمليارات التي يجنونها من وراء الأعمال القذرة التي يقومون بها والفساد والبغاء والقوادة والتهريب والعقار والفلاحة...إلخ، لقد كان بن بركة في الحقيقة السياسي المغربي الوحيد الذي كان يعتقد أنه يمكن للجيش أن يلتزم بالدور الذي وجد من أجله، وكان ذلك تقديرا خاطئا جدا من جانبه.


خدام الاستعمار


فقد كان يتهم العسكريين بشكل مباشر ويشير إليهم بالأصابع وينعتهم بأنهم كانوا خدام الاستعمار الفرنسي وعملوا في صفوف جيش الاحتلال وأنهم أميون وعديمو التكوين وأبناء فلاحين متعاونين مع المستعمرين. وما كان يقوله بن بركة كان صحيحا، لأن الضباط السامين في القوات المسلحة الملكية يتوفرون بالكاد على شهادة التعليم الابتدائي، وبعضهم لم يتجاوز مرحلة الإعدادي بإعدادية"طارق بن زياد" بمدينة آزرو مثل أوفقير والدليمي ومذبوح وبوكرين والتحقوا بالمدرسة العسكرية"الدار لبعيدة" بمكناس أما الآخرون وهم الغالبية، فقد كانوا أميين منحدرين من أصول قروية حيث كانوا فلاحين أو رعاة أغنام ثم التحقوا بشكل إرادي بصفوف الجيش الفرنسي أثناء الحرب العالمية الثانية بين 1939 و1945 وأثناء حرب الهند الصينية بين 1948 و1954 . كانت غالبيتهم تنحدر من أقاليم الريف والأطلس وتافيلالت وسوس، عمل آباؤهم أو أقاربهم مع الاستعمار الفرنسي كمتعاونين وكانت فرنسا تجري في عروقهم ودمائهم، فوالد وأعمام الجنرال أوفقير مثلاً كانوا من عملاء فرنسا في منطقة فكيك (الصحراء)، وهو نفسه وأشقاؤه كانوا من عملاء فرنسا، والجنرال "مذبوح" نفس الشيء لأن والده ذبح بعد خيانته للزعيم الريفي محمد بن عبدالكريم الخطابي، من هنا جاء لقبه في بداية عام 1920، والدليمي نفس الشيء إذ كان والده الحسن الدليمي ضابطاً في "مكتب التوثيق الخارجي ومحاربة التجسس" الفرنسي بالمغرب فرع الرباط، وجميع أقاربه وإخوته كانوا عملاء للحماية الفرنسية في منطقة سيدي قاسم وسيدي سليمان ومنطقة الغرب، وهي نفس حالة المحجوبي أحرضان (شغل منصب وزير الدفاع بالمغرب سابقاً وهو حالياً أمين عام حزب الحركة الشعبية وفي الثمانين من عمره) وآخرين.
من بين القضايا الأخرى التي أثارها المهدي بن بركة كانت هناك مسألة التفاوض حول استقلال المغرب، فقد ندم على مشاركته فيها "لأن غالبية أعضاء الوفد المغربي في مؤتمر إيكس ليبان قد باعوا المباراة سلفاً لفرنسا"؛ فقد أدخلت تلك المفاوضات المغرب في دوامة رهيبة من "الاستقلال داخل الاستقلال وجهاً لوجه مع فرنسا"، واعترف زعيم الاتحاد الوطني للقوات الشعبية صراحة أنه ارتكب "غلطة فادحة بالمشاركة في تلك المفاوضات" غلطة قال إن الندم بسببها سيرافقه "إلى آخر العمر".
لقد انبهر رجال مصلحة مكافحة الشغب بشخصية المهدي بن بركة القوية وتمكنه من الموضوعات والقضايا التي ناقشها، وبجديته وصراحته وشجاعته وكفاءته ومستواه الثقافي وثقافته العامة، ولكن أيضاً بأفكاره ومخططاته الاقتصادية والصناعية والفلاحية التي ستخرج البلاد من الأزمة الخانقة منذ الحصول على الاستقلال. وكان بن بركة يثير الإعجاب بثقته في نفسه وبتفاؤله في مستقبل المغرب وبمستقبله هو شخصياً في بلاده، ذلك لأنه كان يردد بأنه سوف يعود إلى المغرب "بعد ثلاثة أشهر في أقصى حد" مع زوجته وأبنائه للاستقرار بشكل نهائي.
من جانبه هو أيضاً، أعجب المعارض المغربي الشهير بالثقافة الجيدة التي يملكها رجال المخابرات المغربية وانفتاحهم ومعرفتهم بالقضايا التي طرحت للنقاش خلال تلك الجلسة الإيجابية والمفيدة على جميع الصعد، فقد سبق له في الماضي أن تناقش مع رجال الأمن والمخابرات في الجزائر ومصر وفرنسا والمغرب، وكان المستوى الثقافي لمن قابلهم وناقش معهم ضعيفاً أو متوسطاً، ولذا أعجب ب"مستوى" رجال المخابرات المغربية المغاربة الذين كانوا معه، وقد اعترف لهم بذلك بكل مروءة.
إن الأشرطة التي سجل فيها الحوار الطويل الذي دار بين بن بركة ورجال الأمن المغاربة التابعين للكاب، والتي جرى اعتبارها "اختباراً استثنائياً لحالة المهدي بن بركة" توجد محفوظة في ملف بن بركة بالأرشيفات السرية لمصلحة مكافحة الشغب. وقد سنحت لي مرات عدة فرصة الاستماع إليها إلى جانب محمد العشعاشي والكولونيل مارتان ومحمد المسناوي وصاكا وادجين وزيني، بمكتب المصلحة، وكان ذلك يجري في صمت والدموع في الأعين.
إن ما حدث يمكن اليوم أن يفاجئ الجميع وأن يبدو غريباً، ولكن بكثرة ما لحق بهذا الرجل الصريح والكفء في حياته طيلة أعوام عدة انتهى به الأمر إلى الإعجاب به واحترامه بل ومحبته والأسف على فقدانه، والظروف التي تم فيها اغتياله وإخفاء جثته إلى الأبد

مبعوث الأغتيـــــــــال:

الحلقة (13)
كان المقدم أحمد الدليمي نائب رئيس المخابرات المغربية ونائب المدير العام للأمن موجوداً في الجزائر في مهمة خاصة بضعة أيام قبل حادث اختطاف بن بركة، وقبل ثلاث أيام فقط من الحادث لم يكن حضور الدليمي إلى باريس مقرراً في البرنامج، كما لم يكن ذلك مرغوباً فيه من جانب العشعاشي المسؤول الفعلي عن عملية "بويا البشير"!
في يوم الأربعاء 27 أكتوبر هاتَفَ الدليمي من الجزائر صديقه وزميله عبدالحق العشعاشي وطلب منه السفر إلى باريس في الغد لمساعدة شقيقه في المرحلة الأخيرة للعملية إن كان ذلك ضرورياً، وأن يحمل معه بعض المال نقداً من الصندوق الأسود رقم 2 الخاص بمكتب أوفقير في المخابرات المغربية للحاجة.
وفي اليوم التالي استقل عبدالحق العشعاشي أول طائرة متجهة إلى باريس من مدينة سلا، وكان معه "ممرض" المخابرات المغربية الحسوني الذي عوض في اللحظة الأخيرة الممرض الآخر حميدة ادجين الذي كان اسمه مبرمجاً في العملية ولكنه في آخر لحظة لم يسترجع وعيه من حالة السكْر التي كان فيها الليلة السابقة!
وعندما غادر الاثنان مقر المخابرات المغربية في اليوم التالي كانا يحملان معهما مبلغاً كبيراً من المال، لكنهما سافرا بجوازيْ سفرهما الحقيقيين لأن هذه الرحلة جاءت مباغتة.



ملاحظة مهمة


وفي يوم 29 أكتوبر كان الدليمي ما يزال في مهمة بالجزائر حيث كان يرتب الاستعدادات لسفر الملك الحسن الثاني لحضور القمة الإفريقية التي كانت مقررة في شهر نوفمبر 1965، وعندما تلقى مكالمة العشعاشي ترك رسالة مُفادها أنه سيكون في نفس اليوم بباريس قبل الظهر، ثم غادر الجزائر عبر فاس بالطائرة العسكرية التي كانت قد وضعت رهن إشارته في رحلة الجزائر. وكان الحسن الثاني موجوداً في فاس في تلك الفترة ويستعد للسفر إلى الجزائر بمناسبة انعقاد القمة، وقبل توجهه إلى العاصمة الفرنسية مر الدليمي لمقابلة الملك.
عندما غادر الدليمي الجزائر كان ينوي أن تكون رحلته إلى باريس "استكشافية" فقط لأنه ترك جميع أمتعته في الفندق بالعاصمة الجزائرية وكان يرافقه في هذه الرحلة أعضاء من المخابرات المغربية بقوا في الجزائر من بعده، بينهم "فاتح" يعتبر "ليم" الدليمي أي الشخص الشبيه له الذي يمكن أن يقوم مقامه دون أن يتم التعرف عليه لكنهم حزموا أمتعتهم وعادوا إلى المغرب بعدما لم يعد هناك ما يفعلونه أو من ينتظرون منه التعليمات!
قام بديل الدليمي "فاتح" خلال مقامه بالجزائر في غياب هذا الأخير ما بين 29 أكتوبر و2 نوفمبر بتمثيله وكان يستعمل خلال هذه الفترة جواز سفره الشخصي الحقيقي وأحياناً الهوية الحقيقية للدليمي ولديه هوية ثالثة مزورة. وعندما كان يسافر بدل الدليمي في مهمة خارج المغرب كان يستخدم الهوية الحقيقية لهذا الأخير سواء في المطار أو في الفندق، وحين "يمثل" الدليمي داخل المغرب كان يستخدم بطاقة التعريف الوطنية للمقدم نفسه أو رخصة قيادته، بينما يكون الدليمي الحقيقي موجوداً في مكان آخر بهوية مزورة أو رخصة قيادة مزورة وباستخدام "بديله" في المهمات السرية للمخابرات المغربية، أو بكل بساطة في خداع زوجته!! لقد كان الدليمي يخلق الكثير من التشويش لدى رجال الأمن في جميع مطارات العالم.
لم يكن في ذهن الدليمي أن يسافر إلى باريس قبل أن يتوصل بمكالمة العشعاشي، كان يعتقد أن بن بركة سوف يحالفه الحظ هذه المرة في الإفلات كما أفلت في المرات السابقة أعوام 1957 و1962 و1964 . وقد استخدم في سفره إلى باريس المرة الأولى على متن الطائرة العسكرية جواز سفر مزوراً، ولكنه في الرحلة الثانية يوم 30 أكتوبر على متن طائرة تابعة للخطوط الجوية المغربية استخدم جواز سفره الحقيقي. فقد كان يريد في الرحلة الأولى ألا يتم التعرف عليه بعدما علم بخبر وقوع بن بركة في الفخ، لأنه رسم في ذهنه مخططاً جاهزاً: اغتيال المهدي بن بركة بعد تعذيبه لأنه اعتقد أن مثل هذه الفرصة لن تسنح له أبداً للقبض على المعارض الشهير.


سفر الشبيه!


من جهته سافر "بديل" الدليمي إلى باريس يوم 29 أكتوبر مباشرة من الجزائر، وقبل سفره بقي بها خمسة أو ستة أيام في فندق صغير رهن إشارة الدليمي الذي ظل على اتصال مستمر به عبر عميل تابع للمخابرات المغربية يعمل في السفارة المغربية.
في الساعة السابعة مساء على وجه التقريب وصل الدليمي إلى شقة "بوشيش" على متن سيارة أجرة لأن أحداً لم يكن بانتظاره في المطار؛ إذ كان معتاداً خلال أسفاره إلى العاصمة الفرنسية أن يأخذ بعد نزوله من الطائرة سيارة "ليموزين" تابعة للسفارة المغربية تكون في انتظاره قبل الوصول.
عندما دخل الشقة كان الدليمي يحمل في يديه قفازين شفافين كالطبيب الجراح عندما يهم بدخول جناح العمليات، كان في نيته سلفاً أن يقترف جريمة من دون أن يترك بصماته. ولدى دخوله كان أول من فوجئ به هو بن بركة نفسه، لأنه كان يتوقع مبعوثاً من الملك، وفهم المعارض المغربي أن الدليمي قد جاء مبعوثاً للموت أو الاغتيال والتعذيب، وأنه لن يخرج حياً من هذه المصيدة التي نصبها له عملاء المخابرات المغربية، وعندما قابلت عيناه نظرات الدليمي المباشرة الحادة أدرك أن الرجل ليس هنا من أجل التفاوض، قام بن بركة ونهض من مقعده لكي يوجه بعض الشتائم إلى العسكري بصوت عال، فأعطى الدليمي أمره إلى الحسوني والتونسي لتقييده بالمقعد باستخدام القوة، وبدأ بن بركة متعباً ومقيد الرجلين واليدين، يصرخ بأعلى صوته طالباً النجدة؛ فشمّع الحسوني والتونسي فمه ولكنه بالرغم من ذلك استمر يتحرك بعنف على المقعد ويحاول القيام، ولتهدئته أمر الدليمي الحسوني أن يعطيه حقنة مخدرة فقد بعدها بن بركة الوعي، وفي انتظار أن يستعيد وعيه وُضع ممدداً على كنبة لمدة ساعتين تقريباً.


جدوى التعذيب


خلال هذه الفترة القصيرة كان العشعاشي قد دخل في خصام مع الدليمي حول جدوى هذا التعذيب المجاني، وكاد ذلك يتحول إلى عراك بالأيدي لولا تدخل عبدالحق العشعاشي للتفريق بين الرجلين، وبعد ذلك الخصام انقسمت الشقة إلى معسكرين: العشعاشي ومعه صاكا والمسناوي، والدليمي ومعه التونسي والحسوني، وبقي عبدالحق العشعاشي في الوسط بين الجانبين!
بدأ الجميع يحتسون الخمر في صمت وقلق، وعندما أفاق بن بركة أعطي قليلاً من الماء المعدني ثم أخذ العشعاشي يلح على الدليمي لكي يتوقف عن استعمال العنف، فانصاع هذا الأخير ولكن مؤقتاً وألح على أن يطرح بعض الأسئلة على بن بركة بطريقة عشوائية وبشكل غير متوقع، لكن بن بركة بعد أن استعاد وعيه رفض الرد على أي من تلك الأسئلة.. كان جالساً على الكنبة ويبدو مشوش البال وغارقاً في الصمت، ربما كان يفكر في مجيء أوفقير لأن هذا الأخير والدليمي كانا عسكريين قاتلين لا يفترقان في الجريمة، أو ربما كان يفكر في كل ما جرى له سابقاً منذ أن تعرف إلى "صديقه" الصحافي فيلبيب بيرنيي ومشروع الفيلم الكاذب، ولكن كان عليه أن يفكر في ذلك من قبل، وكان يفكر بالأخص في رجلي الأمن الفرنسيين اللذين ناديا عليه لكي يضعاه في النهاية بين مخالب المخابرات المغربية!


الدوام الليلي


في يوم الخميس 28 أكتوبر قضى الجنرال أوفقير قرابة الساعتين بمقر وزارة الداخلية ما بين الحادية عشرة والواحدة زوالاً، ثم ترك أرقام هواتف الارتباط لرئيسة كتابته الخاصة السيدة بديعة المسناوي، وتوجه إلى مدينة القنيطرة التي اعتاد الذهاب إليها ثلاث مرات وأربعاً كل أسبوع، قضى هناك النصف الثاني من اليوم في لعب "البوكر" الذي كانت تنظمه امرأة يهودية تدعى "مدام داحان" في فيلا مخصصة لكبار ضباط الجيش والشخصيات الكبرى في الرباط، وكانت تلك الفيلا مشهورة بأنها مكان الأعمال القذرة كالدعارة والمخدرات والنزوات للشخصيات المعروفة في القنيطرة والرباط.
بعد ذلك ذهب إلى مزرعة في منطقة "الفوارات" قريباً من القنيطرة حيث بدأ ليلته الساعة العاشرة في حانة "ماماس".. كانت الحفلات الليلية تبدأ عادة في الواحدة بعد منتصف الليل وتنتهي في السابعة صباحاً، لكن أوفقير هذه المرة مدد وقت نزوته إلى الثامنة من صباح الجمعة 29 أكتوبر.
في هذا الوقت أخذت مكاني في الدوام الخاص بمقر المخابرات المغربية وكالعادة بدأت في قراءة الصفحات الأخيرة في سجل الدوام الليلي للاطلاع على آخر المستجدات المتعلقة بعملية "بويا البشير" لضمان التنسيق الجيد بين زملائي في باريس ورؤسائي وأوفقير والدليمي في الرباط وخارجها، وهكذا لاحظت بالمصادفة أن أوفقير والدليمي والعشعاشي لم يغيروا أرقام هواتف ارتباطهم منذ الثلاثاء 26 أكتوبر: لماذا؟
العشعاشي في مهمة خاصة في باريس رفقة عبدالقادر صاكا ومحمد المسناوي منذ الثلاثاء 26 أكتوبر في إطار عملية "بويا البشير".
أحمد الدليمي في مهمة خاصة في الجزائر للتحضير لزيارة الملك الحسن الثاني للمشاركة في القمة الإفريقية في نوفمبر القادم.
الجنرال أوفقير دائماً في سهراته الليلية بالفوارات قريباً من القنيطرة وفي مباريات البوكرعند السيدة داحان، وكانت أرقام ارتباطاته هي نفس هواتف هذه الأخيرة و"سيمون" صاحب العلبة الليلية "007" و"محمد المير" المعروف ب"بيج بوي" وهو أحد الوجوه المعروفة في عالم الفساد بالقنيطرة، و"الحاج قادة" عميد الشرطة الممتاز ورئيس مخفر الشرطة في القاعدة العسكرية الأمريكية بالقنيطرة، ورجل الأمن "الشنا" صهر الجنرال وشقيق زوجته فاطمة أوفقير.


الضيف الأخير


في تلك الساعة حضر الكولونيل مارتان كالعادة وبدأ للتو في قراءة سجل الدوام الخاص برفقتي وتسجيل بعض النقاط والملاحظات، وفي حوالي الساعة الحادية عشرة هاتفني محمد العشعاشي من باريس لتوجيه رسالة عاجلة إلى الجنرال أوفقير والمقدم الدليمي الموجود بالجزائر. تسلم الدليمي الرسالة في الحادية عشرة والنصف دون مشاكل، لكننا لم نحصل على الجنرال الذي كان يقال لنا في كل لحظة إنه غير موجود ولا يمكن الاتصال به، وحاولنا بكل الجهود التي بذلناها الحصول عليه أو على الأقل على ما يدل عليه، وكان ينبغي في تلك اللحظة الاتصال بأحد عملاء المخابرات المغربية في منطقة الغرب وإرساله على وجه السرعة لتقصي آثار الجنرال بين القنيطرة والفوارات.
لم يتصل أوفقير بالمخابرات المغربية إلا في الساعة الثالثة والنصف بعد الزوال، أي أكثر من أربع ساعات من وصول مكالمة العشعاشي، ليطلب منا سبب البحث عنه، كان يعتقد أن عملية "بويا البشير" لم تصل إلى نهايتها بعد، وأن بن بركة لم يسقط بين كماشة المخابرات المغربية، فشرحت له الوضع، وفي الساعة الرابعة والنصف حضر لأخذ بعض المال وربما أيضاً للبحث عن جواز سفر مزور في صندوق مكتبه في الطابق السلفي لمقر المخابرات المغربية بجوار الحديقة في الساحة الكبرى. كان لهذا الصندوق ثلاثة مفاتيح يحتفظ بها كل من الجنرال والدليمي والعشعاشي، فظهر أن الجنرال الذي كان ثملاً في ذلك الوقت فقد مفتاحه فأجبرنا على البحث عنه في أي مكان حتى عند زوجة عبدالحق العشعاشي الأمر الذي أضاع لنا وقتاً ثميناً!


الوصول إلى باريس


في الساعة الخامسة اتصل الجنرال بمقر شرطة مطار الرباط سلا، ووجه أمره إلى قائد الطائرة العسكرية بالاستعداد في أي لحظة للإقلاع، وبعد ذلك بنحو خمس وأربعين دقيقة توجه إلى المطار على متن سيارة "مرسيدس" يقودها السائق الوفي بوشعيب، حاملاً معه بعض الأوراق ومبلغاً من المال. وفي الساعة السادسة أي السابعة بالتوقيت الفرنسي أقلعت الطائرة في اتجاه مطار أورلي بباريس، وصل الجنرال إلى العاصمة الفرنسية في الساعة الحادية عشرة ليلاً، ولا يُعرف إن كان يحمل معه جواز سفر مزوراً أو جوازه الحقيقي، بل ما إن كان يحمل أي وثيقة هوية أصلاً فقد كان ثملاً للغاية وغير قادر على ضبط نفسه، ومن يعرف الجنرال جيداً يعرف أن مثل تلك السلوكات ليست غريبة عنه!
بعد ساعة من وصوله إلى باريس وصل إلى مكان شقة "بوشيش" على متن سيارة أجرة لكي يبقى بها نحو ثلاث ساعات الوقت الكافي لتعذيب بن بركة وقتله. وما إن رآه بن بركة حتى بدأ يصرخ ويطلب النجدة لأنه أدرك أن وجود الجنرال والدليمي أمامه في تلك الساعة ليس إلا لقتله، ولاحظ عملاء المخابرات المغربية أن أوفقير لا يزال ثملاً ولا يستطيع الوقوف إلا بصعوبة واستناداً إلى الجدران ويتكلم بصعوبة، ودون أن يضيع وقتاً أعطى أوامره بإيثاقه وحقنه بمخدر وإغلاق فمه وإبقائه واقفاً مربوطاً إلى أنبوب في الجدار لعله أنبوب التسخين!!
نفذ الدليمي والحسوني والتونسي وعبدالحق العشعاشي فوراً هذا الأمر، وبدأ الدليمي جلسة التعذيب باستعمال المنديل والمياه القذرة، أما محمد العشعاشي وصاكا والمسناوي فقد ابتعدوا جانباً بعد أن رأوا أن وتيرة الأحداث بدأت في تجاوزهم وأخذوا فقط يتابعون عملية التعذيب دون حراك.. إن النظرات الحزينة والحائرة لبن بركة لن تغادر ذاكرتهم أبداً حتى الموت!
في الساعة الثالثة صباحاً من ذلك اليوم المشهود، وبعد أن فقد قدرته على الحركة وبدأ يتنفس بصعوبة فك جلادوه وثاقه لكي يرتمي على الأرض فوق خرقة فأخذ أوفقير يستخدم طريقته المفضلة في التعذيب بغرز خنجره الشهير في لحم بن بركة (لطالما رأينا الجنرال في مقر المخابرات المغربية يستعمل تلك الطريقة في تعذيب المعتقلين والمختطفين)!!


سيارة السفارة


صباح السبت 30 أكتوبر في الثالثة صباحاً وبعد التأكد من وفاة بن بركة أعطى أوفقير والدليمي أوامرهما إلى الرجال الستة لكي لا يتصلوا بالمخابرات المغربية في الرباط ولا بأسرهم أو أصدقائهم وأن يبقوا في مكانهم بانتظار عودتهما وصدور تعليمات جديدة، بعد ذلك اتجها إلى المطار على متن سيارة تابعة للسفارة المغربية فاستقل كل واحد منهما طائرة عسكرية في اتجاه مطار فاس سايس، مباشرة.
وبعد وصولهما في وقت متزامن تقريباً أخذ الجنرال طائرة أخرى وعاد إلى باريس ليلحق به الدليمي بعد ساعة ونصف تقريباً، ولكن قبل العودة اتصل أوفقير من فاس بأنطوان لوبيز ليطلب منه انتظاره في مطار أورلي وترك شقته التي لا تبعد كثيراً عن شقة "بوشيش" رهن إشارته.
بقي جثمان المهدي بن بركة في الشقة يوم السبت حتى النصف الثاني من النهار، وجاءت تعليمات أوفقير والدليمي لكي يتم تنظيفه جيداً وإلباسه ثياباً نظيفة ونقله إلى شقة لوبيز في سيارة السفارة، وقد جاءت تلك التعليمات مباشرة بعد بث خبر اختفاء بن بركة بالإذاعة الفرنسية. وفي حوالي الساعة الثامنة من مساء السبت نقل الجثمان إلى الشقة، وبعد ذلك إلى مطار أورلي حوالي العاشرة ليلاً.
كان التونسي الذي قاد السيارة يعرف المطار والمستخدمين فيه جيداً، فدخل مباشرة إلى حيث الطائرة العسكرية التي كانت بالانتظار، وحمل بمساعدة الحسوني جثمان بن بركة في هيئة قائمة كما لو أن الأمر يتعلق بشخص في حالة سكر يحتاج إلى مساعدة لإخراجه من السيارة وإركابه الطائرة، وفي الداخل أجلست الجثمان على مقعد كشخص عادي وحي بجوار الحسوني، وعاد التونسي لتعبئة وثائق السفر الثلاث وختم الجوازات الثلاثة المزورة حيث تنقل شخصياً إلى رجال أمن المطار لكي يحول دون حضورهم إلى الطائرة، وهكذا تمكنوا من نقل جثمان المعارض المغربي نهائياً من التراب الفرنسي نحو مطار الرباط سلا!
عشرون ساعة بعد اغتياله و36 ساعة بعد اختطافه، أما سيارة السفارة المغربية في باريس التي استعملت لنقل الجثمان مرتين في ذلك اليوم من شقة "بوشيش" إلى شقة "لوبيز" ثم منها إلى مطار أورلي فقد بقيت في المطار إلى يوم 2 نوفمبر حيث جاء أحد موظفي السفارة لأخذها، وكان الجنرال عبدالحق القادري (هو اليوم أمين عام حزب سياسي) يشغل في تلك الفترة منصب ملحق عسكري بالسفارة المغربية بباريس ومسئولاً عن شؤون الأمن بها!
ويوم الأحد الموافق 31 أكتوبر حوالي الساعة الرابعة والنصف مساء غادر الجنرال أوفقير والدليمي شقة "لوبيز" إلى مطار أورلي على متن سيارة تابعة للسفارة برفقة لوبيز نفسه، وفي الطريق نزل أوفقير والدليمي لمدة ربع ساعة في مكان منعزل قرب إحدى الغابات حيث تحدثا بمفردهما. بعد ذلك استقل الجنرال طائرة متجهة إلى سويسرا لقضاء بعض الوقت مع أسرته وزوجته فاطمة في جنيف، بينما اتجه الدليمي إلى الدار البيضاء برفقة أحد عملاء مصلحة العمليات التقنية بالمخابرات المغربية.
إن الرحلتين اللتين قام بهما أوفقير والدليمي إلى باريس يوم 29 أكتوبر بعد الزوال وليلة 29 30 أكتوبر ليستا مسجلتين في الوثائق الرسمية لمطارات باريس ولكنهما حصلتا فعلاً وينبغي البحث عنهما في الوثائق السرية للمطارات في العاصمة باريس ويجب على القضاء الفرنسي أن يبحث في هذه الوثائق التي وضعتها الدولة الفرنسية ضمن خانة "سري للدفاع".